بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٦ - بحث حول اعتبار اليسار في وجوب حجة الإسلام
المعتبرة في التكليف هل هي بمعنى إن شاء فعل وإن شاء ترك أو بمعنى القوة المنبثة في العضلات، فعلى الأول يتقدم وجوب أداء الدين على وجوب أداء الحج أيضاً، وعلى الثاني لا بد من الرجوع إلى المرجحات الأخرى.
وقد تحصل مما مرّ أنه لو بني على تمامية المسلك الرابع المتقدم من أن القدرة المعتبرة في وجوب أداء الحج هي القدرة الشرعية بالمعنى المذكور آنفاً فإنه يكفي على المختار ثبوت أن التكليف الآخر المزاحم له ــ وهو وجوب أداء الدين في محل الكلام ــ مما لا يعتبر فيه إلا القدرة العقلية ليحكم بتقدمه على وجوب أداء الحج، وأما على المبنى الآخر فلا بد أيضاً من ثبوت أن القدرة العقلية مما لا دخل لها في الملاك الكامن في متعلقه ليحكم بترجيحه على وجوب أداء الحج عند التزاحم بينهما, وأما مع دخل القدرة العقلية في الملاك فلا بد من الرجوع إلى المرجحات الأخرى إن وجد شيء منها وإلا يحكم بالتخيير بين التكليفين.
هذا وقد تقدم البحث عن اعتبار القدرة الشرعية بالمعنى المذكور في وجوب حجة الإسلام عند الكلام حول الاستطاعة [١] ، وأوضحنا ثمة أنه لا دليل على ما ذهب إليه جمع من الأعلام (قدّس الله أسرارهم) من أن وجوب الحج مشروط بعدم المعجز الشرعي، وعلى ذلك فلا يمكن المساعدة على المسلك الرابع المذكور.
ويضاف إلى هذا أنه قد يناقش في كون وجوب أداء الدين مما يعتبر فيه القدرة العقلية, بل يقال: إن ظاهر الآية المباركة [٢] : ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)) هو كونه مشروطاً بالقدرة الشرعية, لأنها تدل على أنه يجب على الدائن إنظار المدين إذا كان معسراً إلى أن يتيسر له الأداء, فيعلم بذلك أن وجوب أداء الدين منوط بكون الأداء ميسراً للمدين وإلا لم يجب عليه، ولذلك لا تجوز مطالبته به بل لا بد من إمهاله عندئذٍ.
وعلى ذلك يمكن القول إنه إذا كان هناك تكليف آخر متوجه إلى المكلف
[١] لاحظ ج:٢ ص:٣٨١.
[٢] البقرة:٢٨٠.