بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٧ - بحث حول اعتبار اليسار في وجوب حجة الإسلام
وتقصر قدرته عن الجمع بين امتثالهما فإنه لا يجب عليه أداء الدين لأنه لا يعدّ ميسراً له في مثل ذلك، مما يعني أنه تكليف مشروط بالقدرة الشرعية، أي بأن لا يكون تكليف آخر غير مشروط بما عدا القدرة العقلية معجزاً عنه.
ولكن هذه المناقشة غير تامة، فإن الميسرة المذكورة في الآية الكريمة إنما هي بمعنى الغنى والسعة المالية كما ورد التنصيص عليه في المعاجم اللغوية [١] فمن يكون له من المال ما يفي بأداء دينه زيادة على احتياجاته المتعارفة يعدّ في ميسرة وإن كان مخاطباً بتكليف آخر لا يمكنه الجمع بين امتثاله وامتثال وجوب أداء الدين, أقصى الأمر أنه إذا فرض كون التكليف الآخر مرجحاً على وجوب أداء الدين فإنه لا يجب عليه أداؤه من دون أن يخلّ ذلك بصدق كونه في ميسرة.
ولا فرق في ما ذكر بين كون عدم القدرة على الجمع بين امتثال التكليفين من جهة ضيق الوقت مثلاً أو توقف امتثال التكليف الآخر على صرف المال وعدم توفره لدى المكلف زيادة على مقدار الدين والاحتياجات المعيشية الأخرى، فتدبر.
(المسلك الخامس): اشتراط توفر المال الوافي بالزاد والراحلة وسائر المستلزمات الأخرى وفق ما مرَّ في المسلك الأول، مع عدم كون المكلف مخاطباً بواجب آخر لا يتمكن من الجمع بينه وبين أداء الحج ولا تكون للقدرة دخل في ملاكه.
فلو كان لدى الشخص مال يفي بنفقة الحج وسائر ما يحتاج إليه ولكنه كان مخاطباً بإنقاذ إنسان مسلم مثلاً وتوقف إنقاذه على صرف ذلك المال لم يجب عليه الحج، لأن ملاك وجوب إنقاذ المسلم غير منوط بالقدرة بل مما يفوت مع العجز عن الإنقاذ.
وأساس هذا المسلك هو أن وجوب الحج مما تعتبر فيه القدرة الشرعية بمعنى آخر غير المعنى المتقدم في المسلك الرابع [٢] , وهو أن للقدرة دخلاً في الملاك
[١] لاحظ المحيط ج:٨ ص:٣٦٩, والصحاح ج:٢ ص:٨٥٧, ومفردات ألفاظ القرآن ص:٨٩٢.
[٢] وبهذا يتضح الفرق بين المسلكين, فمقتضى المسلك الرابع عدم وجوب الحج إذا كان مزاحمه مشروطاً بالقدرة العقلية ــ أي التمكن من أداء متعلقه في مقابل العجز عنه بالمرة ــ بلا فرق بين أن يكون لها دخل في الملاك أو لا, ومقتضى المسلك الخامس عدم وجوب الحج إذا كان مزاحمه مما لا يكون للقدرة دخل في ملاكه سواء أكانت من قبيل القدرة العقلية بالمعنى المذكور أو أضيق دائرة منها (لاحظ ج:٢ ص:٣٧٧ــ٣٧٨) فالتكليف المزاحم بوجوب الحج قد ينطبق عليه كلا الضابطين المذكورين وقد ينطبق عليه أحدهما، فليلاحظ.