بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢١٧ - حكم ما إذا لم يحرز ذلك ولكن توقعه أو احتمله احتمالاً معتداً به
هذا فيما إذا بني على أن المراد بالاستطاعة المذكورة في الآية الكريمة هو الاستطاعة الشرعية الخاصة المتمثلة في أمور أربعة منها الزاد والراحلة, وأما لو بني على أن المراد بها هو الاستطاعة العرفية ــ التي هي منوطة كما تقدم مراراً بعدم ترتب الحرج الشديد على الإتيان بالفعل وإلا لم يعدّ الشخص مستطيعاً عرفاً وإن كان متمكناً من أدائه في حدّ ذاته ــ فيمكن أن يقال: إن الأمر مختلف عما ذكر، إذ المفروض أن الآية الكريمة الدالة على وجوب الحج على كل مستطيع لا تشمل في حدّ ذاتها من يقع في حرج شديد من جراء ذهابه إلى الحج، لا أن هذا خارج عن تحت عمومها بدليل نفي الحرج.
وعلى ذلك فإن شك ــ كما في مفروض الكلام ــ في أن من يمتلك الزاد والراحلة هل يقع في الحرج الشديد لو صرفهما في أداء الحج يكون ذلك من الشبهة المصداقية للعام نفسه لا للمخصص المنفصل, ولا يمكن هنا إحراز انطباق عنوان العام على الفرد المشتبه بالأصل العملي أي إجراء استصحاب عدم وقوعه في الحرج الشديد لإثبات كونه مستطيعاً عرفاً، لأن الاستطاعة العرفية عنوان انتزاعي، ومنشأ انتزاعها هو القدرة على الفعل مع عدم الوقوع في الحرج الشديد الذي لا يتحمل عادة، ولا يمكن إثبات العنوان الانتزاعي بإجراء الأصل في منشأ انتزاعه، إذ هو من الأصل المثبت، فإن مجرد التغاير بين العنوان المأخوذ في لسان الدليل وبين ما هو مجرى الأصل العملي ولو كان من قبيل التغاير بين العنوان الانتزاعي ومنشأ انتزاعه كافٍ في جعل الأصل مثبتاً. وقد حرر في محله من علم الأصول عدم حجية الأصول المثبتة.
وبالجملة: ليس المقام من قبيل الموضوعات المركبة كما لو قال: (صلِّ متطهراً) الذي مرجعه إلى مطلوبية الصلاة مع الطهارة, فإن في مثله لا مانع من جريان الأصل العملي لإحراز أحد الجزئين وهو الطهارة في المثال بعد إحراز الجزء الآخر بالوجدان، ولا يكون ذلك من الأصل المثبت بل يلتئم الموضوع المركب ويترتب عليه أثره.
وأما هنا فموضوع الحكم بوجوب الحج ليس هو القادر عليه عقلاً مع