بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٣ - اعتبار كون الزاد والراحلة لائقين بحال المكلف
ومن الواضح أن إيجاب الحج عليه ولو كان حرجياً ليتمكن من أدائه ويتخلص من العقوبة الأُخروية يعدّ إحساناً في حقه ومنة عليه, فلا يقاس به ما هو محل الكلام بوجه.
وأما في مورد الحدود والقصاص فيمكن أن يقال: إن قاعدة نفي الحرج ناظرة إلى الأحكام الثابتة ابتداءً في الشريعة المقدسة ولا تشمل الأحكام الجزائية, وعلى ذلك فلا يقاس ما نحن فيه من وجوب الحج على من كان أداؤه له حرجياً عليه من جهة عدم كون الراحلة ونحوها لائقة بشأنه بوجوب التمكين لما يستحقه المكلف من حدّ أو قصاص.
أقول: يلاحظ على هذا الوجه ..
أولاً: بأن ما ذكر من ورود قاعدة نفي الحرج مورد الامتنان على العباد إن كان يقصد به أن رفع التكاليف الحرجية إنما هو بملاك الامتنان عليهم فهو صحيح ولكنه لا يقتضي إباء القاعدة عن التخصيص, وإن كان المقصود به هو كون لسان الدليل الدال عليها امتنانياً كما في قوله ٦ : ((رفع عن أمتي تسع)) فهو ممنوع للاختلاف بين اللسانين، كما لعله واضح.
مضافاًَ إلى أنه قد ثبت تخصيص القاعدة في بعض الموارد ــ غير ما أشير إليه ــ كما في الجهاد للدفاع عن بيضة الإسلام ونحوها من المهمات, بل يمكن أن يقال: إن وجوب تمكين النفس من الحدود والقصاص من هذا القبيل، فإن ما ذكر من عدم شمول القاعدة للأحكام الجزائية غير واضح. ولذلك لا يستبعد جريانها في مورد الحج الواجب عقوبة, أي إذا جامع الحاج قبل الوقوف في المزدلفة عالماً عامداً فإنه تلزمه إعادة الحج عقوبة ــ كما دل النصّ على ذلك ــ فإذا كان أداؤه حرجياً عليه بحدّ لا يتحمل عادة أمكن الالتزام بعدم وجوبه عليه بدليل نفي الحرج، فتأمل.
هذا ولكن يمكن إدراج وجوب التمكين للحدود والقصاص في ما يعدّ تخصيص القاعدة فيها وارداً مورد الامتنان على العبد, بناءً على أن إجراء الحدّ وتنفيذ القصاص يخلصه من العقوبة الأُخروية، فتدبر.