بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٣٤ - متى تتحقق الاستطاعة للحج؟
تأثير المتأخر في المتقدم.
إذا ظهر هذا فأقول: إن الاستطاعة العرفية إنما هي من العناوين الانتزاعية، ووجودها في الخارج إنما هو مع الواسطة في العروض، ولما كان منشأ انتزاعها مجموعة أمور متصرمة الوجود ومتفرقة في وعاء الزمان يكون لها وجود امتدادي، فتتحقق الاستطاعة بتحقق أول تلك الأمور، وتستمر بتلاحق البقية كل في الزمان المناسب له، فالسفر لأداء الحج والإتيان بأعماله يتوقف على صرف كميات من المال على مراحل متعددة بدءاً مما يُبذل للحملدار ــ مثلاً ــ حين التعاقد معه مروراً بدفع رسوم السفر وأجور الوسيلة النقلية ثم أجور السكن في الديار المقدسة وتكاليف الطعام والشراب والدواء وغير ذلك، وانتهاء بنفقة العود، فاللازم في تحقق الاستطاعة أن يتوفر لدى الشخص المال الكافي كلما دعت الحاجة إلى صرف المال ولا يعتبر وجود المال الوافي بكل ذلك من البداية، بل لو حصل على المال تدريجاً يكون قد تحققت له الاستطاعة المالية كما مرَّ في بحث سابق.
وكذلك بالنسبة إلى الاستطاعة البدنية، فإنه لابد أن تكون له القدرة على طي الطريق بالطائرة أو بالسيارة مثلاً، ثم القدرة على أداء الأعمال كل في حينه، وتتفاوت درجة القدرة المطلوبة في كل مرحلة من المراحل، فالقدرة اللازمة لطي الطريق بالسيارة ساعات طويلة غير القدرة اللازمة لأداء السعي مثلاً، فلكي يصدق كون الشخص مستطيعاً بدنياً على أداء الحج يجب أن تتوفر لديه القدرة البدنية اللازمة في كل مرحلة من مراحل هذه العملية بحسب ما يتطلبه اجتياز تلك المرحلة، ولا يعتبر أن يكون سليماً معافىً من البداية إلى النهاية، بل لو كان قادراً على طي الطريق ثم يمرض ثم يتعافى قليلاً فيمكنه أداء الطواف مثلاً وهكذا كفى ذلك في كونه مستطيعاً بدنياً.
وهكذا بالنسبة إلى الاستطاعة السربية، فاللازم هو أن لا يكون أمامه عائق من مواصلة السير للوصول إلى أماكن أداء الأعمال كل في وقته وزمانه، فلا بد أن يتمكن من الحصول على جواز السفر ثم تأشيرة الدخول ثم لا يمنع من