بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٥ - بحث حول اعتبار اليسار في وجوب حجة الإسلام
وبالجملة: يتساوى التكليفان المتزاحمان من الجهة المذكورة في مفروض الكلام، فلا بد من البحث عن مرجح آخر غير ذلك، فإن لم يوجد حكم بالتخيير بينهما.
وهكذا يتضح: أنه لو بني على كون وجوب الحج مشروطاً بالقدرة الشرعية بالمعنى المتقدم فإنه إذا كان في مقابله تكليف آخر مشروط بالقدرة العقلية ويتوقف امتثاله على صرف المال أيضاً ولم يكن مال المكلف وافياً بامتثال كليهما فإنه لا بد من تقديم ما يكون مشروطاً بالقدرة العقلية مطلقاً ــ على رأي ــ ولا بد من التفصيل في ذلك على رأي آخر, وهو أنه إذا لم يكن للقدرة العقلية دخل في ملاك ما هو مشروط بها كان التقديم له في التزاحم بينه وبين الحج، وإن كان لها دخل فيه فلا بد من الرجوع إلى سائر المرجحات، فقد يكون الترجيح له وقد يكون للحج وقد يتساويان فيتخير المكلف بينهما.
وعلى هذا الأساس ينبغي أن يقال: إنه إن بني على كون وجوب أداء الدين مما هو مشروط بالقدرة العقلية فإن كان الدين حالاً ومطالباً به يكون هو التكليف الفعلي المتوجه إلى المكلف، وأما التكليف بأداء الحج فلا يصير فعلياً لوجود المعجز الشرعي عنه وهو التكليف بأداء الدين.
وهكذا لو كان الدين مؤجلاً أو ما بحكمه وبني على لزوم حفظ المال لأدائه في وقته مع عدم الاطمئنان بالتمكن من الأداء لو تم التصرف في المال المتوفر فعلاً في أداء الحج, فإنه عندئذٍ يكون التكليف بحفظ المال هو التكليف الفعلي الثابت على المكلف ويمنع من فعلية التكليف بأداء الحج في حقه.
وأما مع الاطمئنان بالتمكن من أداء الدين في وقته وإن تم التصرف في المال الموجود في أداء الحج فحيث لا تكليف بحفظ المال متوجه إلى المكلف فعلاً فإنه لا مانع من فعلية التكليف بأداء الحج.
هذا كله لو بني على أن القدرة العقلية مما لا دخل لها في الملاك اللزومي الكامن في أداء الدين, واما لو بني على دخلها فيه فقد ظهر مما تقدم آنفاً أنه يختلف الحال عندئذٍ حسب اختلاف الرأيين المتقدمين في كون القدرة العقلية