بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٦٨ - حكم السعي في الثوب المغصوب أو على العربة المغصوبة
ثم إنه (قدس سره) عدل في موضع لاحق عن هذا البيان قائلاً [١] : (إنه وإن كان صحيحاً في نفسه إلا أنه إنما يتم فيما إذا لم يصدر المتأخر منهما حال غفلته عما ذكره أولاً، فإن مع التوجه والالتفات إليه لم يعقل صدور ضده أو نقيضه إلا عدولاً عما ذكره أولاً. وأما مع احتمال كونه غافلاً عما ذكره أولاً فلا يمكننا الحكم بأن المتأخر عدول عن سابقه لمكان غفلته، وذلك لأن التشبث بأصالة عدم الغفلة إنما يصح فيما إذا شككنا في أن كلاً من تضعيفه وتوثيقه هل صدر عنه مع الغفلة أو الالتفات. وبها نبني على أنه ضعفه مع الالتفات إليه ووثقه كذلك، وأما إنه عندما أخذ بتضعيفه مثلاً مع الالتفات لم يكن غافلاً عن الأمر المتقدم عليه فهو مما لا يمكن إثباته بأصالة عدم الغفلة عند العقلاء).
أقول: في أصل التقريب المذكور وما أجاب (قدس سره) به عنه إشكال. والصحيح أن يقال: إنه إذا بني على حجية قول الرجالي من باب حجية رأي أهل الخبرة ــ نظير فتوى الفقيه ونظر الطبيب ــ فالمتعين مع عدم العلم بتاريخ التوثيق والتضعيف هو البناء على سقوطهما ويبقى توثيق الآخر بلا معارض، نظير ما لو صدر من الفقيه فتويان تارة بالحلِّ وأخرى بالحرمة ولم يعلم المتقدم والمتأخر منهما ولم يتيسر استعلام الحال فإنه لا عبرة بشيء منهما ويرجع في المسألة إلى فقيه آخر. ولا فرق في ذلك بين أن يحرز أن الفقيه الأول كان ملتفتاً إلى الفتوى الأولى عند صدور الفتوى الثانية منه أو لا، فإن العبرة عند العقلاء في آراء أهل الخبرة إنما هو بالرأي الأخير سواء مع الالتفات إلى أنه صدر منه رأي مخالف له من قبل أو لا، ولا أثر لصدق عنوان العدول وعدمه، فما ذكره (قدس سره) ــ من أنه إذا لم يكن ملتفتاً إلى كلامه الأول لا يعدّ ذلك عدولاً منه ليؤخذ بالأخير بل يتعارضان عندئذٍ ــ مما لا يمكن المساعدة عليه، فإنه يتعين في كل الأحوال الأخذ بالرأي الأخير وعدم الاعتداد بما سبقه.
وإن بني على حجية قول الرجالي من باب حجية خبر الثقة في الموضوعات على أساس استناده عادة إلى نقل كابر عن كابر ــ كما هو مبنى
[١] التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الاجتهاد والتقليد) ص:٣٥٣ (بتصرف يسير).