بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٧٠ - تحديد موارد التزاحم بين وجوب الحج ووجوب أداء الدين
وأما حرمة التصرف في مال الغير فلا ريب في أن العبرة فيها بعدم طيب النفس ولا تتوقف على إنشاء المنع من التصرف.
هذا في المال الخارجي, وأما المال الذمي فإنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن تكون حرمة إبقائه وعدم ردّه إلى الدائن منوطة بطلب الرد من حيث إنه إنشاء بل مقتضى السيرة العقلائية ــ الممضاة من قبل الشارع المقدس بعدم الردع ــ هو وجوب الأداء مع إحراز عدم طيب نفس الدائن ببقاء دينه الحالّ أو ما بحكمه في ذمة المدين وإن لم ينشأ طلب الأداء.
وأما إناطة وجوب الأداء بالمطالبة من حيث إنها تكشف عن عدم رضا الدائن ببقاء ماله الذمي عند المدين فمرجعها إلى أن وجوب الأداء منوط بإحراز عدم طيب نفس الدائن ببقاء دينه في ذمة المدين، وأما مع عدم المطالبة أي مع عدم إحراز عدم طيب نفسه بذلك فلا يجب الأداء.
وعلى هذا يختلف المال الذمي عن المال الخارجي، فإنه لا إشكال في أنه لا يجوز للمكلف أن يبقي عنده المال الخارجي العائد للغير من دون إحراز رضاه بذلك، فلو شك في طيب نفس المالك وعدمه ولم يكن هناك ما يحرز به طيب نفسه ــ ولو كان هو شاهد الحال أو الاستصحاب ــ لم يجز له إبقاء المال تحت يده، كما لا تجوز له سائر أنواع التصرف فيه.
وقد استثنى الفقهاء (قدّس الله أسرارهم) من ذلك بعض الموارد فقالوا بجواز الشرب من الأنهار الكبار، والصلاة في الأراضي الواسعة غير المحجبة، والأكل من بيوت الأرحام مع عدم العلم بكراهة الملاّك، أي عدم العلم بأن نفوسهم لا تطيب بذلك. فجواز التصرف في هذه الموارد منوط بعدم العلم بالكراهة وفي سائر الموارد لا بد من إحراز رضاهم وطيب نفوسهم ولا يكفي عدم العلم بكراهتهم.
هذا كله في المال الخارجي، وأما في الدين فمن يقول بعدم وجوب الأداء إلا مع المطالبة من حيث إنها تبين عدم رضا الدائن ببقاء دينه في ذمة المدين يرى أن حال المال الذمي من هذه الجهة حال ما استثني من الأموال الخارجية التي