بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٤ - الروايات التي استدل بها على عدم اشتراط وجدان الراحلة مع القدرة على المشي
القدماء بل أُدعي الإجماع على خلافه وإنما حدث القول به من المتأخرين، وكفى به دليلاً على عدم الوجوب).
وحاصله: أنه لو سلّم تمامية دلالة صحيحة معاوية بن عمار وغيرها على وجوب الحج على من أطاق المشي فإنه لا بد من رفع اليد عنها بموجب القرينة الخارجية، وهي أن هذه المسألة وهي عدم امتلاك الراحلة لأداء الحج مع التمكن من طيّ الطريق مشياً على القدمين كانت من المسائل واسعة الابتلاء في العصور السابقة، فلو كان الوجوب فيها ثابتاً لاشتهر بين الفقهاء مع أنه لا قائل به إلا بعض المتأخرين, فهذا أوضح دليل على عدم الوجوب. وبناءً على ذلك لا محيص من حمل صحيحة معاوية ونحوها على بعض المحامل.
ولكن يمكن أن يناقش في هذا البيان بما تقدم من أنه لا يتم عدم وجود قائل من القدماء بوجوب الحج في مفروض الكلام ــ فإن ظاهر الصدوق في الفقيه الالتزام به كما مرّ ــ بل لم يتأكد شذوذ القول بذلك عندهم, فإنه لا توجد بأيدينا من كتب من تقدم على الشيخ المفيد (قدس سره) شيء معتدّ به. وما يرى من ذهابه (قدس سره) وعموم من تأخر عنه إلى عصر العلامة إلى إناطة وجوب الحج بالتمكن من الراحلة إنما يستند كما يبدو إلى ما استفادوه من إطلاق نصوص الزاد والراحلة، ولا يكشف عن تسالم الفقهاء قبلهم على ذلك.
هذا والذي يظهر من جملة من النصوص أن السير إلى الحج مشياً كان أمراً متعارفاً في زمن الأئمة : ولا سيما من المدينة المنورة, ففي معتبرة هشام بن سالم [١] قال: دعا أبو عبد الله ٧ لقوم من أصحابه مشاة حجاج فقال: ((اللهم أحملهم على أقدامهم وسكّن عروقهم)).
وفي معتبرة سيف التمار [٢] قال: قلت لأبي عبد الله ٧ : إنا كنا نحج مشاة فبلغنا عنك شيء فما ترى؟ قال: ((إن الناس ليحجون مشاة ويركبون)). قلت: ليس عن ذلك أسألك. فقال: ((فمن أي شيء سألت؟)) قلت: أيهما أحب إليك
[١] المحاسن ج:٢ ص:٣٥٥.
[٢] الكافي ج:٤ ص:٤٥٦.