بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٠٠ - هل هناك ما يشير إلى عدم أهمية وجوب أداء الدين من وجوب أداء الحج؟
النصاب السادس، لا من جهة قصور قدرة المكلف, فإنه قادر على دفع خمس شياه بعد انقضاء سنة من ملكه للنصاب الخامس وعلى دفع بنت مخاض بعد مضي ثمانية عشر شهراً من ذلك التاريخ، بل من جهة أنه قد قام الدليل على أن المال الواحد لا يزكى في عام واحد مرتين، فهذا أوجب التزاحم بين الحكمين فلا بد من الرجوع إلى مرجحاته.
ومقتضى هذا أن التزاحم لا يختص بالأحكام التكليفية وموارد قصور قدرة المكلف عن الجمع بين امتثال تكليفين اتفاقاً, بل إنه يجري حتى في الأحكام الوضعية أيضاً ومن غير جهة قصور القدرة.
وفي ضوء ما تقدم يمكن أن يقال: إن مورد الكلام يندرج في باب التزاحم من غير جهة قصور القدرة، شبيه ما ذكر في مثال الزكاة ــ أي تزاحم خطابين وضعيين على موضوع واحد ــ فإن مقتضى ما دل على وجوب إخراج الدين من أصل التركة هو أن من مات وعليه دين وترك مالاً يكون حق الديان متعلقاً بماله وإن انتقل المال إلى الورثة. كما أن مقتضى ما دل على وجوب إخراج حجة الإسلام من أصل التركة هو أن من مات وعليه حجة الإسلام وترك مالاً يفي بنفقتها يتعلق حق الحج بذلك المال وإن انتقل إلى وارثه، ولكن اتفق في ما تركه هذا الميت عدم استيعابه لكلا الحقين, ولا علم لنا بكون ثبوت أحد الحقين مقيداً بغير هذا المورد ليندرج عندئذٍ في باب التعارض، لثبوت عدم إرادة أحد الإطلاقين لدليلهما, بل المعلوم هو مجرد عدم فعلية كلا الحقين, فيدور الأمر بين أن تعتبر تركة الميت المذكور لحق الحج وبين أن تعتبر لحق الديان, فإن اعتبرت لحق الحج أصبح هذا الحكم الوضعي فعلياً ولا يبقى مجال لفعلية الحكم الوضعي الآخر، وهو تعلق حق الديان بالتركة, لأنه لا موضوع له، فإن موضوعه هو ما يتركه الميت والمفروض أنه منح للحكم الأول, فالحكم الثاني منتفٍ بانتفاء موضوعه خارجاً, وإن كان الأمر بالعكس فالحكم بتعلق حق الحج بالتركة لا يصبح فعلياً.
إذاً لا تنافي بين الحكمين الوضعيين في مرحلة الإنشاء وإنما لا يصلان معاً