تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٥٤ - درك درك
واحِداً، و ذلِكَ أَنَّك تقولُ أَدْرَكَ الشيءَ و أَدْرَكْتُه و تَدَارَك القومُ و ادَّارَكوا و ادَّرَكُوا إذا أَدْرَكَ بعضُهم بعضاً. و يقالُ: تَدَاركتُه و ادَّارَكْتُه و ادَّرَكْتُه ، و أَنْشَدَ:
تَدَاركتُما عَبْساً و ذُبْيان بعْدَ ما # تفانَوْا و دَقُّوا بينهم عِطْر مَنْشِمِ [١]
و قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
خَزامى اللوى هبت له الريح بعد ما # علا نورها مَجَّ الثَّرَى المُتَدارِك [٢]
فهذا لازِمٌ. و قالَ الطرمَّاحُ:
فلمَّا ادَّرَكْنَا هُنَّ أَبْدَيْنَ للهَوَى [٣]
و هذا متعدٍّ. و قالَ اللَّهُ تعالَى في اللاَّزِمِ: «بَلِ اِدََّارَكَ عِلْمُهُمْ» . قالَ شَمِرٌ: و سَمِعْتُ عَبْد الصَّمَدِ يحدِّث عن الثوريِّ في قولِهِ تعالَى هذا، قالَ مجاهِدٌ: أَمْ تَواطَأَ عِلْمُهُم في الآخِرَةِ، قالَ الأَزْهَرِيُّ: و هذا يوافقُ [٤] قَوْلَ السَّدِيِّ لأَنَّ مَعْنَى تَواطَأَ تحقَّقَ و اتَّفَقَ حِيْنَ لا يَنْفَهم، لا على أَنَّه تَواطَأَ بالحَدْسِ كما ظنَّه الفرَّاءُ؛ قالَ: و أَمَّا ما رُويَ عن ابنِ عَبَّاس أَنَّه قالَ: بلى [٥] آ أَدْرَكَ عِلْمُهُم في الآخِرَةِ فإِنَّه إنْ صحَّ اسْتِفْهامٌ فيه ردٌّ و تهكُّمٌ، و مَعْنَاه لم يُدْرِكْ عِلْمهم في الآخِرَةِ، و نَحْو ذلِكَ رَوَى شعْبةُ عن أَبي حَمْزَة عن ابنِ عَبَّاس في تفْسِيرِه؛ و مِثْلُه قَوْلُه تعَالَى: أَمْ لَهُ اَلْبَنََاتُ وَ لَكُمُ اَلْبَنُونَ [٦] ؛ معْنَى أَمْ أَلِف الاسْتِفْهام كأَنَّه قالَ أَ له البَناتِ و لكُم البَنُون، اللَّفظُ لفظُ الاسْتِفْهام و معْنَاهُ الردّ و التكْذِيب لَهُم.
و الدَّرَكُ يُحَرَّكُ و يُسَكَّنُ هكذا هو في الصِّحاحِ و العُبَابِ و لا قلق في العبارَةِ كما قالَهُ شَيْخُنَا؛ و الضبْطُ عنْدَه و إنْ كانَ راجِعاً لأَولِ الكَلِمَةِ فإنَّه لمَّا عَدَا التسْكِين فإِنَّه في الأَوَّلِ لا يتصور بَلْ هو على كلِّ حالٍ راجعٌ للوَسَطِ، و مِثْلُ هذا لا يُحْتاجُ التَّنْبِيه عَلَيه. بَقي أَنَّه لو قالَ: و الدَّرْكُ : و يُحَّرَّكُ على مقْتَضَى اصْطِلاحِه فاتَهُ أَرْجَحِيَّة التَّحْرِيكِ كما نَصُّوا عليه فتأَمَّلْ التَّبِعَةُ يقالُ: ما لَحِقَك من دَرَكٍ فعليَّ خلاصُه، يُرْوَى بالوَجْهَين. و في الأَساسِ: ما أَدْرَكه من دَرَكٍ فعليَّ خلاصُه و هو اللَّحَقُ من التَّبِعَةِ أي ما يَلْحَقُه منها؛ و شاهِدُ التَّحْرِيك قَوْلُ رُؤْبَة:
ما بعدنا من طلب و لا دَرَك
و منه ضَمَانُ الدَّركِ في عهْدةِ البَيْعِ.
و الدَّرَكُ : أَقْصَى قَعْرِ الشيءِ يُرْوَى بالوَجْهَين كما في المُحْكَم؛ زَادَ في التَّهْذِيبِ: كالبحرِ و نَحْوه [٧] . و قالَ شَمِرٌ:
الدَّرَكُ : أَسْفَل كلِّ شيء ذِي عُمْقٍ كالرَّكِيَّةِ و نحْوِها. و قالَ أَبُو عَدْنانٍ: دَرَكُ الرَّكِيَّةِ قَعْرُها الذي أُدْرِكَ فيها الماءُ؛ و بهذا تَعْلم أَنَّ قَوْلَ شَيْخِنَا و تفْسِيرَه بقَوْلِه: أَقْصَى قعْرِ الشيءِ غيرُ مَعْرُوفٍ، و عِبَارَتَه غيرُ دَالَّةٍ على معْنًى صحيحٍ غيرُ وجيهٍ فتأَمَّلْ.
و قالَ المُصَنِّفْ في البصائِرِ: الدَّرَكُ اسمٌ في مقابَلَةِ الدَّرَجِ بمَعْنَى أَنَّ الدَّرَجَ مراتب باعتبارِ الصّعُودِ و الدرك مراتب اعتباراً بالهُبوطِ [٨] و لهذا عَبَّرُوا عن مَنَازِلِ الجنَّةِ بالدَّرَجاتِ و عن منازِلِ جَهَنَّم بالدَّرَكاتِ ج أَدْرَاكٌ هو جَمْعٌ للمُحَرَّكِ و السَّاكِن، و هو في الأَوَّلِ كثيرٌ مقيسٌ، و في الثاني نادِرٌ، و يُجْمَعُ أَيْضاً على الدَّرَكاتٍ و هي مَنَازلُ النارِ، نَعُوذُ باللَّهِ تعالَى منها. و قالَ ابنُ الأَعْرَابىِّ: الدَّرْكُ : الطَّبَقُ من أَطْباقِ جهنَّم، و ١٧- رُوِيَ عن ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالَى عنه أَنَّه قالَ : الدَّرْكُ الأَسْفَلُ تَوابِيتُ من حديدٍ تصَفَّدُ عليهم في أَسْفلِ النارِ. ؛ و قالَ أَبُو عُبَيْدَة: جهنَّمُ دَرَكَاتٌ أي مَنَازل و طَبَقَات، و قَوْلُه تعالَى: إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ اَلنََّارِ [٩] قَرَأَ الكُوفِيُّون غَيْر الأَعْشَى و البرجميّ بسكونِ الرَّاءِ، و البَاقُون بفَتْحِها.
و الدَّرَكُ بالتَّحرِيكٍ حَبْلٌ يُوَثَّقُ في طَرَفِ الحَبْلِ الكَبير ليكونَ هو الذي يَلي الماءَ و لا يعفَن الرِّشاءُ عنْدَ الاسْتِقاءِ كما في المُحْكمِ. و قالَ الأَزْهَرِيُّ: هو الحَبْلُ الذي يُشَدُّ به العَرَاقي ثم يُشَدُّ الرِّشاءُ فيه و هو مَثْنى. و قالَ الجَوْهَرِيُّ:
قطْعَةُ حَبْلٍ يُشَدُّ في طرفِ الرِّشاءِ إلى عَرْقُوَةِ الدَّلْوِ ليكونَ هو الذي يَلِي الماءَ فلا يعفَن الرِّشاءُ، و مِثْلُه في العُبَابِ.
[١] البيت لزهير، من معلقته.
[٢] بعض البيت في التهذيب و اللسان و فيهما «الندى» بدل «الثرى» و المثبت رواية الديوان.
[٣] التهذيب و اللسان.
[٤] في التهذيب: يواطىء.
[٥] في التهذيب و اللسان: بلى.
[٦] الآية ٣٩ من سورة الطور.
[٧] اللسان و التهذيب نقلاً عن الليث.
[٨] في المفردات للراغب: بالحدور.
[٩] سورة النساء الآية ١٤٥.