تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٥٣ - درك درك
شَمِرٌ عن اللَّيْثِ قالَ: و لم أَسْمَعْه لغيرِه، و به أَوَّل قَوْله تعالَى: بلْ أَدْرَكَ عِلْمُهم [١] أي فَنِيَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ [٢] . قالَ الأَزْهَرِيُّ: و هذا غيرُ صحيحٍ في لغَةِ العَرَبِ [٣] ، و ما عَلِمْتُ أَحَداً قالَ: أَدْرك الشيءُ إذا فَنِيَ فلا يعرَّجُ على هذا القَوْلِ، و لكنْ يقالُ: أَدْرَكَتِ الثِّمارُ إذا بَلَغَتْ إناهَا و انْتَهَى نُضْجها.
قُلْتُ: و هذا الذي أَنْكَرَه الأَزْهَريُّ على اللّيْثِ فقَدْ أَثْبَتَه غيرُ واحِدٍ من الأَئِمَّةِ و كَلاَمُ العَرَبِ لا يَأْبَاهُ فإنَّ إنْتِهاءَ كلَّ شيْءٍ بحسبِه فإذا قالُوا: أَدْرَكَ الدَّقيقُ فبأَيِّ شيءٍ يفَسَّرُ أَ يقالُ إنَّه مِثْلُ إدرَاكِ الثّمار و القِدْر و إنَّما يقالُ انْتَهَى إلى آخِرِه ففَنِيَ.
قالَ ابنُ جني في الشَّواذِ: أَدْرَكْت الرَّجُلَ و ادَّرَكْته و ادَّرَك الشيءُ إذا تَتَابَعَ ففَنِيَ و به فسَّر قَوْله تعالَى: إِنََّا لَمُدْرَكُونَ [٤] . و أَيْضاً فإنَّ الثِّمارَ إذا أَدْرَكَتْ فَقَد عُرِّضَتْ للفَناءِ و كذلِكَ القدر و كلُّ شيءٍ. انْتَهَى إلى حدِّهِ فالفَنَاءُ من لوازِمِ معْنَى الإِدْرَاكِ ، و يُؤَيِّد ذلِكَ تَفْسِيرُ الحَسَنِ للآيةِ على ما يَأْتِي فتأَمَّلْ.
و قَوْلُه تعالَى: حَتََّى إِذَا اِدََّارَكُوا فِيهََا جَمِيعاً [٥] أصلُهُ تَدَارَكوا فأُدْغِمَتْ التاءُ في الدَّالِ و اجْتُلِبَت الأَلِفُ ليَسْلَم السكُون. و قَوْلُه تعَالَى: قُلْ لاََ يَعْلَمُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلْغَيْبَ إِلاَّ اَللََّهُ وَ مََا يَشْعُرُونَ أَيََّانَ يُبْعَثُونَ، `بَلِ اِدََّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ [٦] قال الحَسَنُ فيما رُوِيَ عنه:
أي جَهِلوا عِلْمَها و لا عِلْمَ عندَهُم من أمْرِها كذا في النسخِ و في بعضِ الأُصُولِ: في أمْرِها. قال ابنُ جني في المحتسب: مَعْناه أَسْرَع و خَفُّ فلم يثْبتْ و لم تَطْمئِنّ لليَقِين به قَدَم.
قُلْتُ: فهذا التَّفْسِير تأْيِيدٌ نَقَلَه شَمِرٌ عن اللَّيْثِ. قالَ الأَزْهَرِيُّ: قَرَأَ شُعْبَة [٧] و نافِعٌ: «بَلِ اِدََّارَكَ » ، و قَرَأَ أَبُو عَمرو:
بل أَدْرَك ، و هي قرَاءَةُ مجاهِدٍ و أَبي جَعْفَرٍ المَدَنيّ، و رُوِيَعن ابنِ عَبَّاس أَنَّه قَرَأ: «بلى [٨] أَ أَدْرَك عِلْمُهم» ، يُسْتَفهم و لا يُشَدَّد، فأَمَّا مَنْ قَرَأَ بَلِ اِدََّارَكَ فإنَّ الفَرَّاءَ قالَ: معْنَاهُ لغَةً في تَدَارَك أي تَتَابَعَ عِلْمُهُم في الآخِرَةِ، يُرِيدُ بعلمِ الآخِرَةِ تَكُون أَوْ لا تَكُون، و لذلِكَ قالَ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهََا بَلْ هُمْ مِنْهََا عَمُونَ ، قالَ: و هي في قَرَاءَةِ أَبيٍّ أَم تَدَارَكَ ، و العَرَبُ تجْعَلُ بَلْ مَكَانَ أَمْ، و أَمْ مكانَ بَلْ إذا كانَ أَوَّلَ الكَلِمَةِ اسْتِفْهامٌ مِثْل قَوْلِ الشاعِرِ:
فو الَّله ما أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ # أَم البُومُ أَمْ كلٌّ إليَّ حَبِيبُ [٩]
مَعْنَى أَمْ بَلْ؛ و قالَ أَبُو مَعَاذٍ النحويُّ: و مَنْ قَرَأَ بَلْ أَدْرَكَ ، و بَلِ اِدََّارَكَ فمعْنَاهُما واحِدٌ، يقولُ: هُم عُلَمَاءُ في الآخِرَةِ كقَوْلِه تعالَى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا [١٠] ، و نَحْو ذلِكَ. قالَ السَّدِيُّ في تفْسِيرِه، قالَ اجْتَمَعَ عِلْمُهُم في الآخِرةِ و معْنَاهَا عنْدَه [١١] أي عَلِمُوا في الآخِرَةِ أَنَّ الذي كانُوا يُوعَدُون به حَقٌّ و أَنْشَدَ للأَخْطَلِ:
و أَدْرَكَ عِلْمي في سُوَاءَة أَنَّها # تقيمُ على الأَوْتار و المَشْرَبِ الكَدْرِ [١٢]
أي أَحَاطَ عِلْمِي بها أَنَّها كذلِكَ. قالَ: و القَوْلُ في تفْسِيرِ أَدْرَكَ و اِدََّارَكَ ما قالَ السَّدِيُّ و ذَهَبَ إليه أَبُو معاذٍ النحويُّ و أَبُو سَعِيْدٍ، و الذي قالهُ الفَرَّاءُ في مَعْنَى تَدَارَك أي تَتَابَعَ عِلْمُهُم في الآخِرَةِ أَنَّها تكُونُ أَوْلا تكُونُ ليسَ بالبَيِّنِ، إنَّما المعْنَى أَنَّه تَتَابَع عِلْمُهُم في الآخِرَةِ و تَواطَأَ حِيْن حَقَّت القيامَةُ و خَسِرُوا [١٣] بَانَ لهم صِدْقُ ما وُعِدُوا حِيْن لا ينْفَعُهم ذلِكَ العِلْمُ، ثم قالَ جلَّ و عزَّ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في شكٍّ من عِلْمِ [١٤]
الآخِرَةِ بَلْ هُمْ مِنْهََا عَمُونَ أي جَاهِلُون، و الشَّك في أَمْرِ الآخِرَةِ كفرٌ. و قالَ شَمِرٌ: هذه الكَلِمَةُ فيها أَشْيَاء، و ذلِكَ أَنَّا وجَدْنا الفِعْلَ اللازِمَ و المُتَعَدي فيها في أَفْعَلَ و تَفَاعَلَ و افْتَعَل
[١] من الآية ٦٦ من سورة النمل، و القراءة المشهورة «بَلِ اِدََّارَكَ عِلْمُهُمْ» و المثبت بالأصل هي قراءة أبي عمرو و مجاهد و أبي جعفر المدني.
[٢] يعني في معرفة الآخرة، كما في اللسان.
[٣] في التهذيب: و هذا غير صحيح و لا محفوظ عن العرب.
[٤] من الآية ٦١ من سورة الشعراء.
[٥] سورة الأعراف الآية ٣٨.
[٦] الآيتان ٦٥ و ٦٦ من سورة النمل.
[٧] في التهذيب و اللسان: شيبة.
[٨] التهذيب و اللسان: بلى.
[٩] البيت لأبي ذؤيب الهذلي كما بحواشي التهذيب، و هو في اللسان و التهذيب بدون نسبة و انظر روايته فيهما.
[١٠] سورة مريم الآية ٣٨.
[١١] أي عند أبي سعيد الضرير، و هو ما يفهم من عبارة التهذيب، و ليس من كلام السدي، فتتمة قوله: «اجتمع علمهم يوم القيامة فلم يشكوا و لم يختلفوا» و سيشير إلى أبي سعيد قريباً.
[١٢] ديوانه ص ١٣٣ و التهذيب و اللسان.
[١٣] الأصل و اللسان و في التهذيب: و حُشِروا.
[١٤] في التهذيب: «أمر الآخرة» .