تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٩ - بنق بنق
حُبِّها» و أَرادَ بالأَطْفالِ و الأَبْناءِ: الأَحْزانَ المُتَوَلِّدَةَ، عن الحُبِّ قال ابنُ بَرِّيّ: و قولُ المَجْنُون من المَقْلُوبِ لأَنَّ الأَزْرارَ هي الّتِي تَضُمُّ البَنائِقَ ، و ليست البنائِقُ هي التي تَضُمُّ الأَزْرارَ، و كان حَقُّ إِنْشادِه:
كما ضَمَّ أَزْرارُ القَمِيصِ البِنائِقَا
إِلاّ أَنّه قَلَبَه، و فَسَّرَ أَبو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ البَنائِقَ هُنا بالعُرَى التي تُدْخَلُ فيها الأَزْرارُ، و المَعْنَى على هََذا واضِحٌ بَيِّنٌ، لا يُحْتاجُ معه إِلى قَلْبٍ و لا تَعَسُّفٍ، إِلاّ أَنَّ الجُمْهُورَ على الوَجْهِ الأَوَّل، و ذكر ابنُ السِّيرافِيِّ أَنَّه رَوَى بعضُهم:
كما ضَمَّ أَزرارُ القَمِيصِ البَنائِقَا
قالَ: و ليس بصَحِيحٍ؛ لأَنَّ القَصِيدَةَ مَرْفُوعةٌ [١] ، و بَعْدَه:
و ماذَا عَسَى الواشُونَ أَن يَتَحَدَّثُوا # سِوَى أَنْ يَقُولوا إِنَّنِي لَكِ عاشِقُ
و قالَ أَبُو الحَجّاجِ الأَعْلَمُ: البَنِيقَةُ : اللَّبِنَةُ، و كُلُّ رُقْعَةٍ تُزادُ في ثَوْبٍ أَو دَلْوٍ ليَتَّسِعَ، فهي بَنِيقَةٌ ، و يُقَوِّي هََذا القولَ قولُ الأَعْشَى:
قَوَافِيَ أَمْثالاً يُوَسِّعْنَ جِلْدَه # كما زِدْتَ في عَرْضِ الأَدِيمِ الدَّخارِصَا [٢]
فجَعَلَ الدِّخْرِصَةَ رُقْعَةً في الجِلْد زِيدَتْ ليَتَّسِعَ بها، قالَ السِّيرافِيُّ: و الدِّخْرِصَةُ أَطْوَلُ من اللَّبِنَةِ، قال ابن بَرّي: و إِذَا ثَبَتَ أَنَّ بَنِيقَةَ القَمِيصِ هي جُرُبّانُه، فُهِمَ مَعْناهُ؛ لأَنَّ جُرُبّانَه مَعْرُوفٌ، و هو طَوْقُه الَّذِي فِيه الأَزْرارُ مَخِيطَةٌ، فإِذا أُرِيدَ ضَمُّه أُدْخِلَتْ أَزْرارُه في العُرَى، فضَمَّ الصَّدْرَ إِلى النَّحْرِ، و على ذََلِك فُسِّرَ بيتُ المَجْنون، قال: و يُبَيِّنُ صِحَّةَ ذََلِكَ ما أَنْشَدَه القالِي في نَوادِرِه:
له خَفَقانٌ يَرْفَعُ الجَيْبَ و الحَشَى # يُقَطِّعُ أَزْرارَ الجُرُبّانِ [٣] ثائِرُهْ
و هذا مِثْلُ بَيْتِ ابنِ الدُّمَيْنَةِ:
رَمَتْنِي بطَرْفٍ لو كَمِيًّا رَمَتْ بِه # لبُلَّ نَجِيعاً نَحْرُه و بَنائِقُهْ
لأَنَّ البَنِيقَةَ هي الجُرُبّانُ، و مما يَدُلُّكَ على أَنَّ البَنِيقَةَ هي الجُرُبّانُ قولُ جَرِيرٍ:
إِذا قِيلَ هََذا البَيْنُ راجَعْتُ عَبْرَةً # لَها بجُرُبّانِ البَنِيقَةِ واكِفُ
و إِنما أَضافَ الجُرُبّانَ إِلى البَنِيقَةِ -و إِن كانَ إِيّاها في المَعْنَى-ليُعْلَمَ أَنَّهما بمَعْنىً واحِدٍ، و هََذا من بابِ إِضافةِ العامِّ إِلى الخاصِّ، و لمّا كانَ الجُرُبّانُ إِمّا يَنْطَلِقُ على البَنِيقَةِ و عَلَى غِلاف السَّيْفِ، و أُرِيدَ به البَنِيقَة ، أَضافَهُ إِلى البَنِيقَةِ ، ليُخَصِّصَه بذََلك، و قال أَبو العَبّاسِ الأَحْوَلُ: البَنِيقَةُ :
الدِّخْرِصَةُ، و عليه فُسِّرَ بيتُ ذِي الرُّمَّةِ السابِقُ.
و قد عُرِفَ مما تَقَدَّم أَنَّ البَنِيقَةَ اخْتُلِف في تَفْسِيرها، فقِيلَ: هي لَبِنَةُ القَمِيص، و قيلَ: جُرُبّانُه، و قِيلَ: دِخْرِصَتُه، فعَلَى هََذَا تَكُونُ البَنِيقَةُ و الدِّخْرِصَةُ و الجُرُبّانُ بمَعْنَىً واحدٍ، و سُمِّيَتْ بَنِيقَةً لجَمْعِها و تَحْسِينِها، هََذا حاصِلُ ما ذَكَرُوه، فتَأَمَّلْ ذََلِكَ.
كالبِنَقَةِ ، كعِنَبَةٍ قالَ ابنُ عَبّادٍ: البِنَقَةُ بِنَقَةُ : القَمِيصِ، و جَمْعُها بِنَقٌ ، و لم يُفَسِّرْها، و في اللِّسانِ: قال ثَعْلَبٌ: بنائِقُ و بِنَقٌ ، و زَعَم أَنَّ بِنَقاً جَمْعُ الجَمْعِ، و هََذا مِمّا لا يُعْقَلُ.
و البَنِيقَتانِ : دائِرتانِ في نَحْرِ الفَرَس.
و البَنِيقَةُ : زَمَعَةُ الكَرْمِ إِذا عَظُمَت.
و قال ابنُ عَبّادٍ: البَنِيقَةُ : الشَّعَرُ المُخْتَلِفُ وَسَطَ المَوْقِفِ من الشّاكِلَةِ و في اللِّسان: بَنِيقَةُ الفَرَسِ: الشَّعَرُ المُخْتَلِفُ في وَسَطِ مِرْفَقِهِ، و قِيلَ: مما يَلِي الشّاكِلَةَ و بَنَقَ :
وَصَلَ يُقال: أَرضٌ مَبْنُوقةٌ ، أَي: مَوْصُولةٌ بأُخْرَى، كما تُوصَلُ بَنِيقَةُ القَمِيصِ، قالَهُ ابنُ سِيدَه، و أَنشَدَ قولَ ذِي الرُّمَّةِ:
و مُغْبَرَّةِ الأَفْيافِ مَسْحُولَةِ [٤] الحَصَى # دَيامِيمُها مَبْنُوقَةٌ بالصَّفاصِفِ
[١] و مطلعها-ديوانه ص ٢٠٣:
لعمرك إن الحب يا أم مالكٍ # بجسمي جزاني اللََّه منك للائقُ.
[٢] ديوانه برواية
... في عرض القميص...
[٣] هذه رواية الفراء، أما القالي ٢/٦٠ فقد أنشده بكسر الجيم و الراء.
[٤] بالأصل «محلولة» و بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: محلولة الحصى كذا في اللسان، و في التكملة: مسحولة و فسرها بالملساء» و المثبت عن التكملة و الديوان ص ٣٨٥.