بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٦٩ - هل التصرف الاعتباري المفوت للاستطاعة يقع صحيحاً أو فاسداً؟
ويجري نظير هذا في مورد المقدمة الموجودة بالفعل التي يتوقف الإتيان بذي المقدمة على الإبقاء عليها وعدم إزالتها، فإن المكلف يجد نفسه ملزماً عقلاً بذلك بعين المناط المذكور.
الوجه الثالث: أن حرمة التصرف المفوت للاستطاعة شرعية فيما إذا قصد به الفرار من الحج، وتكون عقلية إذا لم يقصد به ذلك، فمن يهب ماله بقصد الفرار من الحج تكون حرمة هبته شرعية، ومن يهبه لتأمين حاجة أخيه المؤمن رعاية له لا بقصد الفرار من الحج ــ وإن كان يترتب على ذلك التصرف فوات الاستطاعة وعدم تيسر أداء الحج ــ تكون هبته تلك محكومة بالحرمة العقلية.
وهذا الوجه ربما يحمل عليه كلام السيد صاحب العروة (قدس سره) [١] حيث فصَّل في الهبة ونحوها في مفروض المسألة بين ما إذا قصد بها أمراً مشروعاً فحكم بعدم بطلانها، لأن النهي متعلق بأمر خارج ــ حسب تعبيره (طاب ثراه)ــ وبين ما إذا قصد بها الفرار من الحج لا غرضاً مشروعاً فقال: إنه يمكن الحكم بعدم صحتها عندئذٍ.
فقد يقال: إن الذي يتراءى من كلامه (قدس سره) أنه مع قصد المكلف بالهبة التوصل إلى الحرام ــ وهو ترك الحج ــ وتعنون الهبة بهذا العنوان، تكون متعلقة بالنهي الشرعي الموجب عنده (طاب ثراه) للفساد، بخلاف ما إذا لم يقصد بها ذلك، بل قصد أمراً سائغاً فإنه لا تكون حينئذٍ محرمة شرعاً وإن كانت محرمة عقلاً، أي يحكم العقل بلزوم التجنب عنها وتركها من حيث كونها مؤدية إلى ترك الواجب.
قال السيد الأستاذ (قدس سره) [٢] تعقيباً على ما أفاده السيد صاحب العروة (طاب ثراه): (قد أخذ (قدس سره) هذا مما ذكره القوم في من سافر وعليه دين مطالب، حيث فصَّلوا بين من سافر لغاية الفرار عن أداء الدين فيحرم السفر من أجل أنه مقدمة للحرام ــ أي ترك الواجب وهو أداء الدين ــ ويتم الصلاة فيه، وبين ما إذا كان
[١] العروة الوثقى ج:٤ ص:٣٨٥.
[٢] مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:١ ص:١٣٤.