بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٣ - بحث حول اعتبار اليسار في وجوب حجة الإسلام
بالقدرة العقلية فإنه يمنع بفعليته من فعلية الخطاب بأداء الحج. ولذلك قرروا في محله من علم الأصول أن أحد مرجحات باب التزاحم هو كون أحد الوجوبين مشروطاً بالقدرة العقلية والآخر بالقدرة الشرعية، فإن الأول يتقدم على الثاني.
ولكن المختار أن هذا خارج عن باب التزاحم حقيقة بل داخل في باب الورود [١] مع أنه لا يتم على إطلاقه وفق بعض المباني.
وتوضيح ذلك: أنه قد تقدم في بحث سابق أن هناك خلافاً في حقيقة القدرة العقلية المعتبرة في التكاليف, وفيها رأيان: رأي بأنها هي القدرة بمعنى إن شاء فعل وإن شاء ترك, ورأي آخر بأنها هي القوة المنبثة في العضلات.
ومقتضى الرأي الأول ــ وهو الأوجه ــ توفر القدرة العقلية بالنسبة إلى كلا التكليفين المتزاحمين، لفرض أن المكلف متمكن من الإتيان بكل من المتعلقين وترك الإتيان به, فإذا لم يكن أي منهما مشروطاً بما عدا القدرة العقلية اقتضى ذلك صيرورة كل منهما فعلياً ووقوع التزاحم بينهما في مرحلة التنجز.
وأما إذا كان أحدهما مشروطاً بالقدرة العقلية والآخر بالقدرة الشرعية فإن الأول بفعليته يمنع من فعلية الثاني, لفرض كون الثاني مشروطاً بعدم المعجز الشرعي أي أنه مشروط بأن لا يكون هناك تكليف مشروط بالقدرة العقلية فقط متعلق بما يضاد متعلقه, وهذا الشرط مفقود في المورد، فإن المفروض كون التكليف الأول مشروطاً بالقدرة العقلية فهو بفعليته يمنع من فعلية التكليف الثاني الذي أخذت فيه القدرة الشرعية, فلا تزاحم إذاً في البين بل يندرج ذلك في باب الورود حيث ينتفي موضوع الحكم تكويناً بمعونة من التعبد الشرعي.
ومقتضى الرأي الثاني ــ وهو مختار المحقق النائيني (قدس سره) ــ عدم توفر القدرة العقلية إلا بالنسبة إلى احد التكلفيين المتزاحمين على البدل فيتزاحمان عليها لا محالة, فإن كان كل منهما مشروطاً بالقدرة العقلية فقط فلا بد من الترجيح
[١] مرّ في (ج:٢ ص:٥٤٩) أن بعض الأصوليين ذهبوا إلى اندراج باب التزاحم برمته في باب الورود، من جهة التزامهم بكون كل تكليف مقيداً لبّاً بعدم صرف القدرة في ما لا يقل عن متعلقه أهمية, وقد تقدم الخدش فيه، فليراجع.