بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٠٨ - ما يمكن الاستدلال به لاعتبار الإباحة في ساتر العورة في حال الطواف
من أن التضاد إنما هو من خواص الأمور العينية، والأحكام الخمسة تعدّ من الأمور الاعتبارية، فلا محل للقول بأنها متضادة.
وكيفما كان فإن البيان المذكور مخدوش، ولا أقل من جهة ما تقدم من أن ما يتعلق به الحكم لا يكون إلا في وعاء صدوره، وأما فعل المكلف في الخارج فإنما يوصف به وهو مع الواسطة في العروض، فلا يتم ما أدعي من أن القول باجتماع الأمر والنهي يستلزم تعلقهما ــ مع ما بينهما من المنافرة ــ بأمر واحد حقيقة.
(الثاني): لا ريب في أن الأحكام الشرعية إنما تتبع المصالح والمفاسد, فإذا وجب فعل فإنما هو من جهة اشتماله على مصلحة ملزمة بعد الكسر والانكسار، وإذا حرم فعل فإنما هو من جهة ما يترتب عليه من مفسدة ملزمة بعد الكسر والانكسار, فإذا كان فعل واحد مجمعاً لعنواني الواجب والحرام ــ كما في محل الكلام ــ فلا بد للشارع المقدس من أن يراعي الكسر والانكسار بين ما فيه من المصلحة وما يترتب عليه من المفسدة، فإن رجحت المصلحة بحدّ يكون لزومياً وجب تقييد الحرام بغيره، وإن رجحت المفسدة بحدّ يكون لزومياً وجب تقييد الواجب بغيره، وإن لم يكن رجحان لأحدهما بالحدّ المذكور فلا بد من تقييد كل من الواجب والحرام بغيره.
وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون ستر العورة في الطواف بالثوب المغصوب ــ مثلاً ــ واجباً وحراماً في الوقت نفسه، للتضاد بين الوجوب والحرمة من حيث المبدأ أي الملاك وإن سُلّم أنه لا تضاد بينهما من حيث نفسيهما.
والجواب عنه: أن ما يسلّم فيه لزوم مراعاة الكسر والانكسار بين المصلحة والمفسدة في مرحلة التشريع هو موارد التلازم بينهما ولو بلحاظ كون الحكمين انحلاليين، كما في وجوب إكرام كل عالم وحرمة إكرام كل فاسق فإن الوجوب انحلالي بلحاظ متعلق متعلقه وهو العالم والحرمة انحلالية بلحاظ متعلقها أي الإكرام ومتعلق متعلقها أي الفاسق, ففي الجامع بين العنوانين أي العالم الفاسق لابد من أن يوازن الشارع المقدس بين ما في إكرامه من مصلحة ومن مفسدة،