بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٠٦ - ما يمكن الاستدلال به لاعتبار الإباحة في ساتر العورة في حال الطواف
وتجدر الإشارة إلى أنه يظهر من بعض كلمات السيد الأستاذ (قدس سره) [١] أن باب الصلاة يختلف عما نحن فيه في ما ذكر، من جهة أن الستر المعتبر في الصلاة ليس هو الستر بكل ما يمنع عن رؤية الناظر المحترم بل لبس ما يكون من قبيل الثوب، لقوله ٧ : ((يجد ثوباً يستر به عورته))، ولذلك فإن اللبس فيه هو المأمور به دون الستر، وهو بنفسه من أظهر مصاديق الغصب، ولذلك لا تصح الصلاة إذا كان ساتر المصلي مغصوباً.
ولكن هذا الكلام لا يخلو من غرابة، فإن اشتراط كون الساتر الصلاتي من قبيل الثوب ــ لو سلّم ولم يناقش فيه ــ لا يعني أزيد من كون الشرط في الصلاة حصة خاصة من ستر العورة، وهو سترها بالثوب لا طبيعي الستر على إطلاقه وسريانه، ولا يقتضي كون لبس الثوب بما هو فعل من الأفعال مأموراً به بغير الأمر الغيري المقدمي.
الجهة الثالثة: أنه لو سلّم أن ستر العورة مأمور به بالأمر الوجوبي المتعلق بالطواف إلا أن ما ذكر من أن انطباق عنوان الغصب عليه في مفروض الكلام يقتضي اجتماع الأمر والنهي وتعلقهما بشيء واحد، وهو غير جائز، فلا بد من تقديم جانب النهي، مما لا يمكن المساعدة عليه، لما حقق في محله من علم الأصول، ومختصره: أن من الأعراض ما يكون معروضه المقوّم لوجوده مغايراً لموصوفه الموجود في الخارج، وهو ما يسمى بالمعقولات الثانية في علم الفلسفة كالعلم، فإنه يعرض الأمور الذهنية وتتصف به الأمور الخارجية، فإذا علمت بمجيء زيد غداً فالمعروض للعلم ليس هو المجيء الخارجي إذ لم يتحقق بعد، وإنما هو الموصوف به، فتقول بعد مجيئه: (كنت أعلم بهذا) وتشير إلى وجوده الخارجي.
ومن قبيل هذا القسم جميع الأمور الانتزاعية، وكذا الاعتبارية، ومنها الحكم الشرعي، فإن معروضه الذي يتقوم به لا يكون إلا في وعاء الحكم، وهو العنوان الذي يكون في نفس المشرِّع كعنوان ستر العورة في الطواف، وأما
[١] دراسات في علم الأصول ج:٢ ص:١٣٦.