بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٠٣ - هل تتحقق الاستطاعة بمجرد القدرة على تحصيل المال أم لا تتحقق إلا مع توفره بالفعل؟
فإن القدرة على ما يحج به ظاهرة ــ كما يقال ــ في القدرة على تحصيله [١] لا كونه تحت اليد والسيطرة، مثل ما هو الحال في قوله ٧ [٢] في إحرام الرجل في الثوب المعلّم: ((تركه أحبّ إليّ إذا قدر على غيره))، وقوله ٧ [٣] في من حج عن آخر ومات في الطريق: ((إن قدر على رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل)) .. وهكذا في سائر الموارد.
وبذلك يظهر النظر في ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) من ذكر هذه الصحيحة في عداد صحيحة معاوية بن عمار ونحوها مما هي ظاهرة في اعتبار وجود المال بالفعل [٤] , إذ إن هناك فرقاً بين التعبير المذكور فيها وما ورد في تلكم النصوص.
هذا ويمكن أن يقال: إنه يتيسر الجمع العرفي بين نصوص الباب بحمل ما ورد في صحيحة الحلبي على إرادة القدرة على تحصيل الزاد والراحلة ونحوهما من مستلزمات الحج بامتلاك المال الكافي لتحصيلها, فالمقصود بـ(ما يحج به) هو الزاد والراحلة ونحوهما. وأما القدرة عليه فيعنى بها التمكن من تحصيل هذه المستلزمات بوجود المال اللازم لذلك, أو يقال: إن التمكن مما يحج به لا يختص بما إذا لم يكن المال موجوداً لدى المكلف وإنما كان مما يتيسر له الحصول عليه, بل هو أعم مما إذا كان موجوداً لديه بالفعل, فيراد بالتمكن منه عندئذٍ هو القدرة على التصرف فيه على سبيل أداء الحج, فتحمل صحيحة الحلبي على خصوص هذه الحالة بقرينة الروايات الأخرى.
[١] هذا وفق ما يقال إنه هو المنساق من التعبير بالقدرة على الشيء ــ في مقابل وجدانه ــ في هذا العصر. ولكن ذكر الخليل (رحمه الله) أن معنى قولهم: (قدر على الشيء) هو أنه ملكه (العين ج:٥ ص:١١٣). ومقتضاه أن يكون معنى قوله ٧ : ((إذا قدر الرجل على ما يحج به)) هو أنه إذا ملك الرجل ما يحج به، فتكون صحيحة الحلبي المذكورة مماثلة للروايات الأخرى في الدلالة على عدم كفاية التمكن من تحصيل نفقة الحج في وجوب الخروج إليه، فتأمل.
[٢] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٧١.
[٣] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٤٦١.
[٤] دليل الناسك ص:٢٣.