تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٦٠٥ - ضحك ضحك
إنَّما ضَحِكَتْ سُروراً بالأَمْنِ لأَنَّها خافَتْ كما خافَ إِبْرَاهيم قالَ: و قال بعضُهم إنَّ فيه تقْديماً و تأْخيراً أي فبَشَّرْنَاها بإِسْحَق فضَحِكَتْ بالبِشَارةِ، قال الفرَّاءُ: و هو ما يَحْتَمِلُه الكَلامُ و اللَّهُ أَعْلَم بصَوابِه و قيلَ: هو من ضَحِكَ الرجُلُ إذا عَجِبَ و المَعْنَى أي عَجِبت من فَزَعِ إِبْرَاهيم عَلَيه السَّلام، و منه قَوْل عَبْد يَغُوث الحارِثِيّ:
و تَضْحَك منِّي شَيْخَةٌ عَبْشَميَّةٌ # كأَنْ لم تَرى قَبْلِي أَسِيراً يَمانِيا
و هو قَوْل ابن عباسٍ و نَقَلَه الرَّاغِبُ و أَيَّدَه فقالَ: و يدل على ذلك قَوْله تعَالَى: أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هََذََا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [١] . قال: و قوْل من فسَّرَه بحاضَتْ فليْسَ ذلك تَفْسيراً لقَوْلهِ فَضَحِكَتْ كما تصوَّرَه بعضُ المُفَسِّرِين فقالَ: ضَحِكَت يَعْنِي حاضَتْ، و إنَّما ذِكْره ذلك أَمَارةً لما بُشِّرَتْ به فحاضَتْ في الوقْتِ لتَعْلَم أنَّ حَمْلَها ليْسَ بمنْكرٍ إذ كانَتِ المَرْأَة ما دَامَتْ تَحِيْضُ فإنَّها تَحْبَلُ.
أو ضَحِكَ إذا فَزعَ ، و به فسَّرَ الفرَّاءُ الآيةَ كما تقدَّم قريباً.
و من المجازِ: ضَحِكَ و السَّحابُ : إذا بَرَقَ ، قالَ ابنُ الأَعْرَابيِّ الضَّاحِكُ من السَّحَابِ مِثْل العارِضِ إلاَّ أنَّه إذا بَرَقَ قيل ضَحِكَ ، نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ، و منه ١٦- الحدِيثُ : «يَبْعَثُ اللَّهُ السَّحابَ فيَضْحَك أَحْسَن الضَّحِكِ و يتحدَّثُ أَحْسَن الحَدِيثِ» . فضَحِكهُ البَرْق و حدِيْثُه الرَّعْد، جعل انْجِلاءَه عن البَرْقِ ضَحِكاً فكأَنَّه إِنَّما جَعَلَ لمْعَ البَرْقِ أَحْسَن الضَّحِكِ و قَصْفَ الرَّعْدِ أَحْسَن الحدِيثِ لأنَّهما آيَتَان حامِلَتَان على التّسْبِيحِ و التَّهْلِيلِ. و ضَحِكَ القِرْدُ أي صَوَّتَ و في الصِّحاحِ: و يُقالُ: القِرْدُ يَضْحَكُ إذا صوَّتَ أي جَعَل كشْرَ الأَسْنانِ ضَحِكاً و إلاَّ فقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الضَّحِكَ مُخْتَصّ بالإِنْسانِ. و الضَّحْكُ بالفتحِ الثَّلْجُ و قيل: الزُّبْدُ و قيلَ:
العَسَلُ و قيَّدَه ابنُ السَّيِّدِ بالأَبْيَض قالَ أبو عَمْرٍو: شُبِّه بالثَّغْرِ لشدَّةِ بَيَاضِه. أو الشُّهْدُ و الضَّحِكُ : ظُهُورُ الثَنَايَا مِنَ الفَرَحِ و مِنْ ذلك سُمِّي العَجَبُ ضَحكاً و قالَ الأَصْمَعِيُّ:
الضَّحْكُ : الثَّغْرُ الأَبْيَضُ شَبَّه بَيَاضَ العَسَلِ به، يُقالُ: رَجُلٌ ضَحِكٌ أي أَبْيض الأَسْنَانِ و بكلِّ ذلك ما عَدَا العَجَبُ فُسِّر قَوْل أبي ذُؤَيْب الهُذَليّ:
فجاءَ بمَزْجٍ لم يرَ الناسُ مِثْلَهُ # هو الضَّحْكُ إلاَّ أَنَّه عَمَلُ النَّخْلِ [٢]
و قيلَ: الضِّحْكُ : النَّوْرُ و به فُسِّر البيتُ أَيْضاً.
و الضَّحْكُ : المَحَجَّةُ و هي وَسَطُ الطَّرِيقِ كالضَّحَّاكِ كشَدَّادٍ الصَّوابُ أَنْ يذكر قَوْله كالضَّحَّاكِ بعْد قَوْلِه كِمامِه كما هو نصُّ أَبي عَمْرو، و أَمَّا الضَّحَّاك في نعتِ الطَّرِيقِ فإنَّه سَيَأْتي له فيمَا بَعْد فتأَمَّلْ. و قالَ السُّكَّرِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ أَبي ذُؤَيْبٍ: الضَّحْكُ : طَلْعُ النَّخْلَة إذا انْشَقَّ عنه كِمامُهُ في لغَةِ بلْحَرث بن كعبٍ. و قالَ ثَعْلَبُ: هو ما في جوفِ الطَّلْعةِ.
و قالَ أَبو عَمْرٍو: هو وَلِيْعَةُ الطَّلْعِ الذي يُؤْكلُ كالضَّحَّاكِ هذا نصُّ أَبي عَمُرٍو، فكانَ الأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَ لَفْظة كالضَّحَّاكِ هُنَا. و الضُّحكُ : بالضمِ جَمْعُ ضَحوكٍ للطريقِ كصَبورٍ و صُبْر. و قالَ ابنُ دُرَيْدٍ: الضَّاحِكُ حَجَرٌ شَديدُ البَياضِ يَبْدو في الجَبَلِ من أيِّ لونٍ [٣] كانَ فكأنَّه يضْحَكُ و هو مجازٌ. و من المجازِ: الضَّحَّاكُ كشَدَّادٍ المُسْتَبِينُ الواسِعُ من الطُّرُقِ قال الفَرَزْدَقُ:
إذا هي بالرَّكْبِ العِجَالِ تَردَّفَتْ # نَحَائِزُ ضَحَّاكِ المَطَالعِ في النَّقْبِ [٤]
نَحَائِزُ الطُّرق: جوادُّه كالضَّحوكِ كضبورٍ و هذه عن الجَوْهَرِيِّ قالَ:
على ضَحُوكِ النَّقْبِ مُجْرِهِدِّ [٥]
و الضَّحَّاكُ بنُ عَدْنان زَعَمَ ابنُ دَأْبٍ المَدنيُّ أنَّه رجُلٌ مَلَكَ الأَرْضَ و هو الذي يُقالُ له المُذْهَبُ، و في المَثَلِ:
يُقالُ: أَحْسَن من المُذْهَبِ ، و كانت أُمهُ جِنِّيَّةً فَلَحِقَ بالجِنِ و تقولُ العَجَمُ: إنَّه لمَّا عَمِلَ السِّحْرَ و أَظْهَرَ الفَسَادَ أُخِذَ فشُدَّ في جبلِ دُنْباوَنْدَ، و يُقالُ: إنَّ الذي شدَّه أَفْرِيدُون الذي كان مَسَح الدُّنيا فبَلَغَ أَرْبَعةَ و عِشْرِين أَلْفَ فَرْسخٍ؛ قال الأَزْهَرِيُّ: و هذا كلُّه باطِلٌ لا يُؤْمن بمثْلِه إلاَّ أَحْمقٌ لا عَقْل له.
قُلْتُ: و تَزْعمُ الفُرْس أنه د ه ا ك و مَعْناه عَشَرَة أمْرَاضٍ و الضَّحَّاك إنَّما هو تَعْريبُه؛ و قال ابنُ الجواني النَّسَّابةُ:
[١] سورة هود الآية ٧٢.
[٢] ديوان الهذليين ١/٤٢ و اللسان و الصحاح و مقاييس اللغة ٣/٣٩٤.
[٣] لم يرد قوله في الجمهرة، و نقله عنه في التكملة.
[٤] ديوانه ١/٨٤ و اللسان و التكملة و التهذيب.
[٥] اللسان و التهذيب.