تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٠٢ - فسق فسق
الأَصليّ [١] فَاسِقٌ ، فلأَنَّه أَخَلَّ بحُكمِ ما أَلزمَه العَقل، و اقتَضَتْه الفِطْرَةُ. و منه قَولُه تَعالَى: أَ فَمَنْ كََانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كََانَ فََاسِقاً لاََ يَسْتَوُونَ [٢] فقابَلَ به الإِيمان، فالفاسِقُ أَعمُّ من الكافِر، و الظالِمُ أَعمُّ من الفاسِق .
فَسَق ، كَنَصَر، و ضَرَب، و كَرُم ، الثانِيَةُ عن الأَخفَشِ، نقلَه الجوهريُّ، و الثالثةُ عن اللِّحْيانيّ رَواهُ عنه الأَحمَر، و لم يَعرِف الكسائيُّ الضَّمَ فِسْقاً و فُسُوقاً مَصْدران للبابَيْن الأَوَّلين، أَي: فَجَر فُجُوراً، كما في الصِّحاح.
و قوله تعالى: وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ [٣] أَي: خُرُوجٌ عن الحَقِ و قالَ أَبو الهَيْثم: و قد يكونُ الفُسُوقُ شِرْكاً، و يكون إِثْماً.
و الفِسْق في قوله تعالى: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللََّهِ بِهِ [٤]
رُويَ عن مالك أَنَّه الذَّبْح.
و قولُه تعالى: بِئْسَ اَلاِسْمُ اَلْفُسُوقُ بَعْدَ اَلْإِيمََانِ [٥]
أَي: بِئْسَ الاسمُ أَن يقول له: يا يهودِيُّ و يا نَصْرانيّ، بعد أَنْ آمن، و يُحتَمل أَن يكون كُلُّ لَقَبٍ يَكرهُه الإِنسان، قاله الزّجّاج.
و فَسَق : جَارَ و مَالَ عن طاعَةِ اللََّه عَزَّ و جَلَّ، و منه فَسَقت الرّكاب عن قصد السبيل أَي جارت.
و قَولُه تَعالَى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [٦] أَي: خَرَجَ ، زادَ الفَرّاءُ عن طاعةِ رَبِّه. و رَوَى ثَعْلبٌ عن الأَخْفَش قالَ:
أَي عن رَدِّه أَمرَ رَبِّه نحو قول العَرَبِ: اتَّخَمَ عن الطَّعامِ، أَي: عَنْ أَكْلِه، فلمّا رَدَّ هََذا الأَمر فَسَق . قالَ أَبو العَبّاس:
و لا حاجةَ به إِلى هََذا؛ لأَنَّ الفُسُوقَ معناه الخُرُوج. فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ، أَي: خَرجَ.
و فَسَقت الرُّطَبَة عن قِشْرِها أَي: خَرَجَت، كانْفَسَقَت و هََذه عن ابن دُرَيد. قِيلَ: و منه اشْتِقاق الفاسِق لانْفِساقِه ، أَي: لانْسِلاخِه عن الخَيْر. و نَصُّ الجَمْهرةِ: من الخَيْر و قالَأَبو عُبَيْدةَ: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ، أَي: جارَ [٧] عن طاعَتِه، و أَنشد:
يَهْوِين فِي نَجْد وَ غوراً غائِراً # فواسِقاً عن قَصْدِها [٨] جَوائِرَا
و رجُلٌ فُسَقٌ كَصُرَدٍ و فِسِّيقٌ مثل سِكِّيتٍ: دَائِمُ الفِسْقِ ، و أَنْشَدَ اللَّيْثُ لسُلَيمانَ:
عاشُوا بذََلك حِيناً في جِوارِهِمُ # لا يُظْهِرُ الجَوْرَ فيهم آمِناً فُسَقُ
و من سَجَعات الأَساسِ: كان يَزِيدُ فِسِّيقاً خِمِّيراً، و لم يَكُنْ للمُؤْمِنينَ أَمِيراً.
و قالَ اللَّيْثُ: الفُوَيْسِقَةُ : الفَأْرة ، سُمِّيَتْ لخُرُوجِها من جُحْرها على النَّاسِ. و في الأَساسِ: لعَيْثِها في البُيوتِ:
زادَ غيرُه: و إِفسادِها. و هي تَصْغِيرُ فاسِقَة . و منه ١٦- الحَدِيث :
«اقْتُلوا الفُوَيْسِقَة ، فإِنَّها تُوهِي السِّقاءَ، و تُضْرِمُ البيتَ على أَهْلِه» . و ١٧- في حديثِ عائِشَةَ رضِيَ اللََّه عنها -و سُئلت عن أَكْلِ الغُرابِ-قالَتْ: «و مَنْ يَأْكلُه بَعْدَ قَوْلِه: فاسِق ؟» . قال الخَطّابيُّ: أَرادَ تَحْرِيم أَكلِها بتفسيقها ، و ١٦- في الحَديثِ :
«خُمْسٌ فواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ و الحَرَمِ» . قالَ: أَصْلُ الفِسْق : الخُروجُ عن الاستِقامة، و الجَوْرُ، و به سُمِّيَ العاصِي فاسِقاً . و إِنما سُمِّيت هََذه الحيواناتُ فَواسِقَ على الاسْتِعارة؛ لخُبْثِهِنَّ، و قِيلَ: لخُروجِهِنَّ عن الحُرْمَةِ في الحِلِّ و الحَرَمِ، أَي: لا حُرْمَة لهنَّ بحالٍ.
و تَقولُ للمرأَة: يا فَساقِ ، كَقطامِ أَي: يا فاسِقَةُ ، و تَقول للرَّجُلِ: يا فُسَق ، كَزُفَر ، و يا خُبَثُ كذََلك أَي: يا أَيُّها الفَاسِق و يا أَيّها الخَبِيث. قالَ الجَوهرِيُّ: و هو مَعرِفة، يدُلُّ على ذََلك أَنهم يَقُولونَ: يا فُسَقُ الخَبِيثُ، فيَنْعَتُونَه بالأَلفِ و اللاّمِ. و لَيْسَ في كَلاَمٍ جاهِلِيٍّ و لا شِعْرِهِم فَاسِقٌ ، على أَنَّه عَرَبِيٌّ. هذا كلامُ ابنِ الأعرابيّ، و نَصّه على ما نقله الجَوْهَرِيّ، و الصاغانيُّ: لم يسمعْ قَطُّ في كلامِ الجاهليَّةِ، و لا في شِعْرِهم فاسِقٌ . قالَ: و هََذا عَجَبٌ، و هو كَلام عَربيٌّ لم يَأْتِ في شِعْرٍ جاهِليٍّ. و نقلَ الأَصبهانيُّ
[١] عن المفردات و بالأصل «الأصل» .
[٢] سورة السجدة الآية ١٨.
[٣] الآية ١٢١ من سورة الأنعام.
[٤] سورة الأنعام الآية ١٤٥.
[٥] سورة الحجرات الآية ١١.
[٦] سورة الكهف الآية ٥٠.
[٧] في التهذيب و اللسان: جار و مال عن طاعته.
[٨] في التهذيب: «قصده» و في اللسان: «أمره» .