تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٧٣ - غرق غرق
و نَظَر أَبو الغَوْثِ الأَعرابِيّ إِلى قِرْطاسٍ رَقِيق فقالَ: غِرْقِيءٌ تَحْتَ كِرْفِيءٍ. و قالَ الفَراءُ: هَمزتُه زائِدَةٌ لأَنَّه من الغَرَقِ ، و وافَقَه الزّجّاج، و اختارَه الأَزْهَرِيُّ، و هََذا مَوْضِعُه. و وَهِم الجَوْهَرِيُّ. قال شيخُنا: لا وَهَم فيه؛ لأَنّه نبَّه هناك على زِيادَةِ الهَمْزةِ، على أَنَّ المُصنِّف قد ذَكَره هناك، و تابَعَ الجَوهريَّ بلا تَنْبِيه عليه، فأَوهَم أَصالَتَه، و أَعاده هُنا للاعْتِراض المَحْضِ.
قلتُ: و قال ابنُ جِنِّي: ذَهَب أَبو إِسحاقَ إِلى أَنَّ همزةَ الغِرْقىءِ زائِدَةٌ، و لم يُعَلِّل ذََلك باشْتِقاقٍ، و لا غَيرِه، قالَ:
و لَستُ أَرَى للقَضاءِ بزِيادةِ هََذه الهَمزة وَجْهاً من طَرِيقِ القِياسِ؛ و ذََلك أَنَّها ليسَتْ بأُولَى فَيُقْضَى بزِيادَتِها، و لا نَجِدُ فيها مَعْنَى الغَرَق ، اللّهُمّ إِلاّ أَن يَقُولَ: إِن الغِرقِىءَ يحتَوِي على جَمِيعِ ما يُخفِيه من البَيْضَة و يغْتَرِقُه . قالَ: و هََذا عِندِي فيه بُعْدٌ، و لو جازَ اعْتِقاد مِثلِه على ضَعْفِه لَجازَ لكَ أَن تَعتَقِد في هَمْزَةِ كِرْفِئَةٍ أَنها زائِدة، و تَذهَبَ إِلى أَنَّها في مَعْنَى كَرَفَ الحِمارُ: إِذا رَفَع رأْسَه لشَمِّ البَوْلِ، و ذََلِك لأَنَّ السّحاب أَبداً-كما تَراه-مُرْتَفِعٌ، و هََذا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ.
و غَرْقَأَتِ الدَّجاجَةُ بَيْضَتَها : إِذا باضَتْها، و ليسَ لها قِشْرٌ يَابِسٌ. و غرقَأَت البَيْضَةُ: خَرجَت و عليها قِشْرةٌ رقِيقة و الغُرَيْقُ ، كَزُبَيْرٍ: وادٍ لِبَنِي سُلَيْم.
و قال ابنُ عَبَّاد: غَرَقْتُ من اللَّبَنِ غَرْقةً ، أَي: أَخَذْتُ منه كُثْبَةً. قالَ: و إِنَّه لغَرِقُ الصَّوْت كَكَتِف أَي: مُنْقَطِعُه مَذْعُور.
و قالَ ابن دُرَيْدٍ: الغِرْياقُ ، كجِرْيال: طائِرٌ زَعَموا، و ليس بثَبت [١] .
و أَغرَقَه في الماءِ إِغْراقاً مثل غَرَّقَه تَغْرِيقاً ، فهو مُغْرَق و غَرِيقٌ . قالَ تَعالِي: ثُمَّ أَغْرَقْنََا بَعْدُ اَلْبََاقِينَ [٢] و قالَ تَعالَى: وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ [٣] و قال تعَالى: فَكََانَ مِنَ اَلْمُغْرَقِينَ [٤] . و أَغرق الكأْسَ إِذا مَلَأَها و هو مجاز.
و أَغرَقَ النازِعُ في القَوْسِ أَي: استَوْفَى مَدَّها. و هو مَجازٌ. قالَ ابن شُمَيْلٍ: الإِغْراقُ : الطَّرحُ، و هو أَن تُباعِدَ السَّهمَ من شِدَّة النَّزْعِ. يُقال: إِنّه لطَرُوحٌ. و قال أسيد الغَنَوِيّ: الإِغْراق في النَّزْع: أَنْ يَنْزِعَ حتّى يُشْرِبَ بالرِّصاف، و يَنْتَهِي إِلى كَبِدِ القَوْسِ، و رُبَّما قَطَع يَدَ الرَّامِي. و شُرْبُ القَوْسِ الرِّصافَ: أَنْ يَأْتِيَ النَّزْعُ على الرَّصاف كُلِّه إِلى الحَدِيدَةِ، يُضرَبُ مَثلاً للغُلُوِّ و الإِفْراطِ.
كغَرَّق تَغْرِيقاً . يُقال: غَرَّقَ النَّبْلَ: إِذا بَلَغَ به غايةَ المَدِّ في القَوْسِ.
و لِجامٌ مُغرَّقٌ بالفِضَّةِ، كمُعَظَّمٍ و مُكْرَمٍ أَي: مُحَلَّى بِهَا.
و قِيلَ: إِذا عَمَّتْه الحِلْية، و قد غَرَّق . و تَقُول: فلانٌ جَفْنُ سَيْفِه مُغَرَّق ، و جَفْنُ ضَيْفِه مُؤرَّق، و هو مجاز.
و التَّغْرِيقُ : القَتْل و هو مَجاز، و أَصلُه من الغَرَقِ . يُقال:
غرَّقَت القابلَةُ الوَلَدَ؛ و ذََلك إِذا لم تَرْفُق به حَتَّى تَدخلَ السابِياءُ أَنفَه، فتَقْتُله. قال الأَعْشَى [٥] ، يعني قَيسَ بنَ مَسْعُود الشَّيْبانِيّ:
أَ طَوْرَيْنِ في عامٍ: غَزاةً و رِحْلةً # أَلا لَيْت قَيْساً غرَّقَتْه القَوابِلُ
و يُقال: إِنَّ القَابِلَةَ كانَتْ تُغَرِّق المَوْلودَ في ماءِ السَّلَى عامَ القَحْطِ، فَيَمُوت [٦] ذكَراً كانَ أَو أُنْثَى، ثم جُعِلَ كُلُّ قَتْلٍ تَغْرِيقاً . و منه قَولُ ذِي الرَّمَّةِ:
إِذا غَرَّقت أَرُباضُها ثِنْيَ بَكْرَةٍ # بتَيْهاءَ لم تُصْبِح رَؤُوماً سَلُوبُها
الأَرْباضُ: الحِبالُ. و البَكْرةُ: الناقَة الفَتِيَّة. و ثِنْيُها: بَطْنُها الثّاني. و إِنما لم تَعطِف على وَلَدِها لِمَا لَحِقَها من التَّعَبِ.
و في الأَساسِ: غَرَّقَت القابِلَةُ المَوْلُودَ: لم تُمَخِّطْه عند وِلادَتِه، فوقعَ المُخاط في خَياشِيمِه، فقَتَله، و هو مجاز.
و في التَّهْذِيب: العُشَراءُ من النُّوقِ إِذا شُدَّ عليها الرَّحْلُ بالحِبالِ رُبَّما غُرِّقَ الجَنِينُ في ماءِ السّابِياءِ، فتُسْقِطُه.
و أَنْشَدَ قولَ ذِي الرُّمّة السابِقَ.
[١] الجمهرة ٢/٣٩٥.
[٢] سورة الشعراء الآية ١٢٠.
[٣] سورة يس الآية ٤٣.
[٤] سورة هود الآية ٤٣.
[٥] كذا بالأصل و الصواب «يهجو» كما في المحكم و ما يستفاد عن الديوان ط بيروت ص ١٣٦.
[٦] في القاموس: ليموتَ.