تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٠٩ - طوق طوق
و مَيَّالةٍ في رأْسِها الشَّحْمُ و النَّدَى # و سائِرُها خالٍ من الخَيْرِ يابِسُ
تَهَيَّبَها الفِتْيانُ حَتَّى انْبَرَى لها # قَصِيرُ الخُطَا في طَوْقِه مُتَقاعِسُ
و مالِكُ بنُ طَوْق بنِ عَتّاب بنِ زافِر بنِ مُرَّةَ بنِ شُرَيْحِ بنِ عَبْدِ اللََّه بنِ عَمْروِ بنِ كُلْثُوم بنِ مالِك بن عَتَّاب بنِ سَعْد بنِ زُهَيْر بنِ جُشَم بن بَكْر بن حَبِيب بنِ عَمْرو بن غَنْم بنِ تَغْلِب: كان في زَمَن الخليفةِ هارُون الرَّشِيد رَحِمه اللََّه تعالى، و هُوَ صاحِبُ رَحَبَة مالِك المُضافَةِ إِليه على الفُراتِ. قُلتُ: و من وَلَدِه محمد بنُ هارونَ بنِ إِبراهيمَ بنِ الغنم بن مالك الذي قدِم اليَمَن قاضِياً، صُحْبة محمد بنِ زِياد الذي اختَطَّ مدينَة زَبِيد-حَرَسها اللََّه تَعالى-و له ذُرّيَّةٌ بها طَيِّبة يأْتي ذِكرهُم في «ع م ق» إِن شاءَ اللََّه تعالى.
و في المَثَل: كَبِر عَمْرٌو عَنِ الطَّوْق هََكذا في العُباب، و الأَمْثال لأَبي عُبَيد. و المَشْهُور: «شَبَّ عَمْرٌو عن الطَّوقِ » كما في أَكْثَر كُتُب الأَمثال يُضرَب لمُلابِسِ ما هُو دُونَ قَدْرِه. قال المُفضَّل [١] : أَولُ مَنْ قال ذََلكَ جَذِيمةُ الأَبْرَشُ.
و عَمرٌو هََذا هو عَمْرُو بنُ عَدِيّ بنِ نَصْرِ ابنُ أُخْته. و كَانَ خالُه جَذِيمَةُ مَلِكُ الحِيرةِ قد جَمَع غِلْمَاناً من أَبناءِ المُلوك يَخْدِمُونَه، منهم عَدِيُ بنُ نَصْرٍ و كانَ جَمِيلاً وَسِيماً فعَشِقَتْهُ رَقاشِ أَختُ جَذِيمَةَ، فقالَتْ له : إِذا سَقَيْتَ المَلِكَ، فَسَكِرَ، فاخطُبْنِي إِليه، فسَقَى عَدِيٌّ جَذِيمَةَ ليلةً و أَلْطَفَ له في الخِدْمةِ، فأسرعَت الخَمرُ فيه فلمَّا سَكِرَ قالَ له: سَلْنِي ما أَحْبَبْتَ، فقال: زَوِّجْنِي [٢] رَقاشِ أُختَك، قال : ما بِها عَنْكَ رَغْبة قد فَعَلْتُ، فعَلِمَتْ رَقاشِ أَنّه سَيُنْكِرُ ذََلك إِذا أَفاقَ، فقالَتْ للغُلامِ ادْخُلْ على أَهلِكَ الليلةَ فَفَعلَ أَي:
دَخَل بها و أَصبَحَ في ثِيابٍ قد لَبِسَها جُدُدٍ، و تطَيَّبَ من طِيب، فلَمَّا رآه جَذِيمةُ قال : يا عَدِيُ ما هََذا الذي أَرَى؟ قال: أَنكَحْتَنِي أُخْتَكَ رَقاش البارِحَةَ، فقالَ: ما فَعَلْتُ ، ثموَضَعَ يدَه في التُّرابِ و جعَلَ يَضْرِبُ وَجْهَهَ و رَأْسَه و أَقْبَلَ على رَقَاشِ، و قالَ:
حَدِّثِينِي و أَنتِ غَيْرُ كَذُوبِ # أَ بِحُرٍّ زَنَيْتِ أَم بِهَجِينِ
أَم بِعَبْدٍ، و أَنتِ أَهْلٌ لِعَبْدٍ # أَمْ بِدُونٍ و أَنتِ أَهْلٌ لِدُونِ
و في نسخةٍ: «فأَنت أَهل» . قالت بل زَوَّجْتَنِي كُفُؤاً كَرِيماً من أَبْناءِ المُلُوك، فأَطْرَق جَذِيمَةُ ساكِتاً، فلما أُخْبِرَ عَدِيٌّ بِذََلِك خَافَ على نَفْسِه فهَرَبَ منه و لَحِق بقَوْمِه و بِلادِه و مَاتَ هُنالِكَ، و عَلِقَت منه رَقاشِ، فأَتَتْ بابْنٍ سَمّاهُ جَذِيمَةُ عَمْراً، و تَبَنَّاهُ أَي: اتَّخَذَه ابْناَ له، و أَحَبَّه حُبَّاً شَدِيداً، و كانَ جَذِيمَةُ لا يُولَدُ له، فَلَمَّا تَرَعْرَع و بلغ ثَمانِي سِنِين كانَ يَخْرُجُ مع عِدَّةٍ من الخَدَمِ يَجْتَنُون للمَلِك الكَمْأَة، فَكانُوا إِذا وَجَدُوا كَمْأَةً خِياراً أَكَلُوها، و أَتَوْا بالبَاقِي إِلى المَلِك، و كان عَمْرٌو لا يَأْكُلُ منه أَي مِمّا يَجْتَنِي، و يَأْتِي به جذِيمَةَ كَما هُوَ فَيضَعُه بيُنَ يَدَيْه، و يَقول:
هََذا جَنايَ و خِيارُهُ فِيهِ # إِذْ كُلُّ جانٍ يَدُه إِلَى فِيهِ
فذهبَت كَلِمتُه مثلاً ثم إِنَّه خَرَج يَوْماً و عَلَيْه حَلْيٌ و ثِيابٌ، فاستُطِير [٣] ففُقِد زَماناً، فضُرِبَ في الآفََاقِ فلم يُوجَدْ ، و اتَى عَلَى ذََلك ما شَاءَ اللََّه، ثم وَجَدَه مَالِكٌ و عَقِيلٌ ابنا فارِجٍ كذا في العُبابِ، و يُقال: ابنا فالِج أَيضاً باللاَّم، كما في شَرْح الدُّرَيْدِيَّةِ لابن هِشامٍ اللَّخْمِيّ: رَجُلاَن من بَلْقَيْنِ أَي بَنِي القَيْنِ كانا مُتَوَجِّهَيْن إِلى جَذِيمَةَ بهَدَايَا و تُحَفٍ، فَبَيْنَما هُمَا نازِلانِ بِوادٍ من الأَوْدِيَةِ في السَّمَاوةِ انْتَهَى إِلَيْهِما عَمْرُو بنُ عَدِيٍ و قد عَفَتْ أَظفارُه و شَعْره فَسَأَلاه: من أَنْتَ ؟ فقال:
ابنُ التَّنُوخِيَّة فلَهِيا عنه، فَقالاَ لِجارِيةٍ مَعَهُما: أَطْعِمِينا، فأَطْعَمَتْهُما، فأَشَارَ عَمْرٌو إِليها أَنْ أَطْعِمِيني، فأَطْعَمَتْه، ثم سَقَتْهُما فَقَال عَمْرٌو: اسْقِينِي، فقالت الجَارِيَة: «لا تُطْعِمِ العَبْدَ الكُراعَ فيَطْمَعَ في الذِّراعِ » فأَرْسَلَتْها مَثَلاً، ثم إِنَّهُما حَمَلاه إِلى جَذِيمَةَ، فعَرَفَه و نَظَرَ إِلى فَتىً ما شاءَ مِنْ فَتىً و ضَمَّه و قَبَّلَه، و قال لَهُمَا: حُكْمَكُما، فسَأَلاَهُ مُنادَمَتَه فلم يَزالاَ نَدِيمَيْهِ حتى فَرَّقَ الموتُ بينهم، و صارَتْ تُضْرَبُ
[١] انظر الفاخر ص ٧٣ مثل رقم ١٣١ برواية مختلفة ستأتي، و مجمع الأمثال للميداني مثل رقم ٣٠١٧.
[٢] في الميداني: أسألك أن تزوجني رقاش أختك.
[٣] من هنا تبدأ رواية الفاخر.