بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٤٥ - هل يجب أداء الحج على من بنى على تحمل الحرج وعدم صرف المال في حوائجه الملحة؟
وهذا الكلام ربما يبدو غريباً لأول وهلة، فإن كون وجوب الحج منوطاً بإرادة المكلف، بأن يجب عليه أداء الحج إذا كان لا يريد صرف ماله في شراء الدار السكنية ولا يجب إذا أراد صرف ماله في شرائها، بعيد عن الأذهان، إذ إن الحكم الوجوبي إنما هو إنشاء بغرض إيجاد الداعي بالإمكان في نفس المكلف إلى الإتيان بمتعلقه، فلا يناسب أن يكون معلّقاً على عدم إرادة المكلف الإتيان بما يزاحم المتعلق وإن لم يكن في ذلك محذور عقلي, وأما إناطة وجوب الصيام على المسافر بقصده الإقامة عشراً فلا يشبه المقام، لأن العبرة في الإقامة بالعلم بالبقاء ــ ولو مكرهاً ــ لا بإرادة ذلك، فتدبر.
وكيفما كان فإنه يمكن تقريب ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) من وجوب الحج على من كان عازماً على عدم صرف ماله في حوائجه الملحة بوجهين ..
الوجه الأول: أن المفروض أن هذا الشخص مستطيع مالياً لأداء الحج, فلو سقط عنه وجوبه فإنما هو من جهة أن عدم صرف ماله في تأمين حاجته الضرورية يوقعه في حرج شديد، فيتمسك بقاعدة نفي الحرج لرفع وجوب صرفه في الحج, ولكن مع عزمه على تحمل الحرج لا تصلح القاعدة المذكورة لرفع الوجوب عنه, فإن هذه القاعدة ــ ومثلها قاعدة لا ضرر ــ لورودهما مورد الامتنان والإرفاق بالمكلفين لا يجريان في مورد يُقدم فيه المكلف باختياره وإرادته على تحمل الحرج أو الضرر لغرض له في ذلك، ومن هنا قيل بعدم ثبوت خيار الغبن إذا أقدم البائع على المعاملة مع علمه بالغبن، لعدم إمكان إعمال دليل نفي الضرر عندئذٍ ــ بناءً على كونه هو مستند ثبوت هذا الخيار ــ لأن لزوم المعاملة الغبنية الذي هو حكم إمضائي شرعي وإن كان ضررياً على المغبون إلا أن المفروض إقدامه عليه باختياره، فليس في نفيه عنه أي امتنان عليه، بل الامتنان في ثبوته حسب ما رغب فيه وأراده وله غرض فيه البتة.
والمقام من هذا القبيل فإن من يحتاج حاجة ملحة إلى شراء دار سكن مثلاً ولديه المال الوافي بشرائها ولكنه لا يقوم بذلك يكون قد أقدم باختياره على تحمل الحرج ــ أي حرج البقاء بلا مسكن لائق به ــ وحيث إن دليل نفي الحرج