بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٣٣ - متى تتحقق الاستطاعة للحج؟
الحقيقية هي لتلك الأمور المتفرقة في وعاء الزمان ولكنها تجتمع في وعاء الذهن فيخترع الذهن من مجموعها ماهية واحدة وتنتزع مفهوماً جديداً جامعاً لتلك المتفرقات وهو مفهوم الصلاة أو القصيدة أو غير ذلك.
وقد اختلف الفلاسفة في أن وجود الأمر الانتزاعي في الخارج هل هو وجود حقيقي إلا إنه تبعي ضعيف ــ وهذا ما ذهب إليه صاحب الأسفار ــ أو أنه وجود غير حقيقي بل هو مع الواسطة في العروض وإن كانت الواسطة خفية ــ وأما الوجود الحقيقي فهو لمنشأ انتزاعه، فإذا نسب الوجود إلى الأمر الانتزاعي فإنما هو ثانياً وبالعرض ــ وهذا ما يظهر من الشيخ الرئيس ابن سينا، وهو الأحرى بالقبول.
ويمكن التنظير له بما ذكروه في مورد المعقول الثاني بحسب المصطلح الفلسفي، أي في الأشياء التي يكون عروضها في الذهن والاتصاف بها في الخارج كالأبوة، فإنه ليس لها ما بحذاء خارجي ولكن يتصف بها من في الخارج.
والوجه في كون عروض المعقول الثاني في الذهن هو أن وجوده المحمولي ذهني لا خارجي، وأما كون الاتصاف به في الخارج فهو من جهة مرآتية ما في الذهن لما في الخارج فتكون هناك واسطة خفية في العروض، وليس شأن المرآتية هنا سريان أحكام ما في المرآة إلى المرئي بل مجرد اتصاف المرئي بنفس تلك الصفة، فكأنه ينعكس ما في الذهن على الأصل المأخوذ منه في الخارج.
وما هو محل الكلام من العنوان الانتزاعي يشبه ذلك، أي أن وجوده المحمولي في الذهن وليس في الخارج، ولكن من جهة كون ما في الخارج هو الأصل لما انعكس في الذهن فإنه يحمل عليه فيقال: هذه صلاة وتلك قصيدة، وعلى هذا الأساس يكون للعنوان الانتزاعي في الكل التدريجي وجود امتدادي في الخارج إلا إنه ليس وجوداً حقيقياً، ولذلك يعقل فيه الشرط المتأخر، أي أن يتحقق بتحقق أول جزء لما هو منشأ انتزاعه ولكن منوطاً بتلاحق الأجزاء الأخرى، فإن وجوده الخارجي لما لم يكن حقيقياً ــ بل هو مع الواسطة في العروض ولو كانت الواسطة خفية ــ فإنه لا تنخرم فيه القاعدة العقلية من امتناع