بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٠٦ - المسألة ٣٧ هل يجب الفحص عن وفاء المال بنفقة الحج؟
الرأي الثاني: اعتبار الفحص على النحو المتعارف في جريان الأصول النافية للتكليف في الشبهات الموضوعية كالحكمية، بمعنى أنها لا تعتبر معذرة للمكلف إلا إذا استند إليها بعد الفحص والتمحيص. وقد التزم بهذا جمع من الأعلام (قدّس الله أسرارهم) بدعوى قيام السيرة العقلائية على الفحص، والاحتياط قبله في الموارد المشكوكة.
وقد استشهدوا لذلك بأنه لو أمر الرئيس ــ مثلاً ــ بإحضار أطباء البلدة لتكريمهم، فاقتصر المكلف بذلك على إحضار القدر المعلوم لديه من الأطباء ولم يفحص عن وجود آخرين ــ مع احتمال ذلك احتمالاً معتد به ــ ثم ظهر وجود عدد آخر بالفعل، يُعدّ ملوماً عند العقلاء في ترك إحضار الباقين، ولا يقبل منه الاعتذار بأني شككت في وجود الزائد فاستندت إلى أصالة البراءة.
وكذلك إذا نهى الرئيس عن إدخال أرباب الحوائج عليه في بعض الأيام لانشغاله بأمور أهم من ذلك، فلو شك الحاجب في كون بعض المراجعين من أرباب الحوائج أو أنهم يقصدون مجرد السلام على الرئيس، ولم يفحص عن حالهم وأدخلهم على الرئيس تمسكاً بأصالة عدم كونهم من أرباب الحوائج، ثم ظهر أنهم منهم، فإنه يلام على فعلته هذه، ولا يقبل عذره بأنه شك في حالهم فسمح لهم بالدخول من دون فحص لأن الشبهة موضوعية. وهكذا في سائر الأمثلة والموارد.
وفي ضوء ذلك يمكن أن يقال: إنه لما كانت سيرة العقلاء جارية في الأوامر والنواهي المتداولة بينهم على إعمال الطريقة المذكورة ولم يبين الشارع المقدس طريقة خاصة به في ذلك، يُعرف رضاه بهذه الطريقة واعتماده عليها في امتثال تكاليفه أيضاً.
ولكن هذا الكلام مخدوش، فإن من يتتبع سيرة العقلاء يجد أن مواردها مختلفة عندهم، ففي بعضها لا يوجبون الفحص بأزيد مما يقتضيه استقرار الشك وثباته، وفي بعضها يوجبون الفحص بمقدار ما، وفي بعضها أزيد من ذلك، وربما يوجبون استفراغ الوسع في الفحص، وربما لا يكون المورد عندهم محلاً للبراءة