بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٠٨ - المناقشة في كلام بعض الأعلام (طاب ثراه) في وجه أهمية الدين من الحج
يتجاوزوا عن حقوقهم يوم القيامة, أو فقل: إنهم يأملون في عطف الله ورحمته وتجاوزه عن حقه أزيد بكثير مما يأملونه بالنسبة إلى البشر مثلهم, فمن هذه الجهة فإن حقوق الناس تحظى عندهم بمزيد من الأهمية بالقياس إلى حقوق الله تعالى.
ومن الواضح أن الأهمية من هذه الجهة لا تصلح في حدّ ذاتها أن تكون من مرجحات باب التزاحم, مضافاً إلى أنه لما كان المناط فيها هو إقوائية احتمال التعرض للمؤاخذة المترتبة على المطالبة بالحق فهي لا تقتضي عدم ترجيح الحج على الدين في مفروض الكلام، إذ إن أقصى ما يترتب على ترجيحه هو ترك أداء الدين وبقاء الذمة مشغولة به إلى يوم القيامة إلا أنه لما كان ترك أدائه عن عذر فلا تترتب المؤاخذة على مطالبة الدائن به في ذلك اليوم، مما يعني عدم اهتمام المدين بأدائه أزيد من اهتمامه بأداء حق الله.
ويلاحظ على ما أفاده (طاب ثراه) ..
أولاً: أن المناط في الأهمية التي هي من مرجحات باب التزاحم وإن كان هو أهمية الملاك في نظر الشارع المقدس إلا أنه يمكن إثبات كون ديون الناس أهم من حقوق الله تعالى كذلك وفق ما تقدم بيانه قريباً، ولا محل للقول بأن أهمية الدين إنما هي عند الناس بلحاظ عالم المطالبة والمؤاخذة ولا أهمية لها ملاكاً.
وثانياً: أن اهتمام الناس بحقوق أمثالهم من البشر أزيد من اهتمامهم بحقوق الله تعالى ــ مضافاً إلى أنه لا كلية له لا بالنسبة إلى الأشخاص ولا بالنسبة إلى أنواع الحقوق كما لا يخفى ــ مما لا تعلق له بعالم المطالبة والمؤاخذة يوم القيامة، خلافاً لما ذكره (قدس سره) ، بل هو مرتبط بعالم الدنيا، وذلك من جهتين ..
أ ــ إن أصحاب الحقوق من الناس يلاحقون ــ مع التمكن ــ من يظلمونهم ويعتدون على حقوقهم ويحاولون استرجاعها منهم أو إلزامهم بتعويضهم عنها، ولذلك يقع المعتدي في الحرج والمشقة وربما في ضرر بالغ, وأما الله سبحانه وتعالى فهو يمهل في الغالب من يتجاوز على حقوقه إلى يوم القيامة. ومن هنا يكثر اهتمام فريق من الناس غير الملتزمين دينياً بحقوق أمثالهم أزيد من اهتمامهم بحقوق الله من الفرائض اليومية وغيرها.