بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٨٣ - ما استُدل به لأهمية وجوب أداء الدين من وجوب أداء الحج
يسمى بمدركات العقل العملي.
فهذه أحكام أودعها الله تبارك وتعالى في نفس الإنسان يحكم بها ضميره ووجدانه. وإليه يشير قوله تعالى [١] : ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)) ، فالنفس كتاب الله يحتوي على قانونه الفطري، والقرآن كتابه المدوّن أثبت فيه قوانينه التشريعية وأكد فيه على القانون الفطري أيضاً.
ووفق هذا المسلك لا يبقى كثير مجال لقاعدة الملازمة (ما حكم به العقل حكم به الشرع) لأن الحاكم في الحقيقة في الموردين هو الله تعالى غاية الأمر أنه تارة يجعله في ضمير الإنسان، وأخرى يبلغه عن طريق أنبيائه وأوصياء أنبيائه : .
وهذا هو المسلك المختار، فإن المسلك الأول مما لا يمكن المساعدة عليه، إذ إن ما ذكر من (أن العقل يدرك صفة واقعية للفعل هي أنه مما ينبغي أن يقع أو مما لا ينبغي أن يقع) مرجعه إلى أن هنا أمرين: دعوة إلى الإتيان بالفعل أو عدم الإتيان به، وإدراك العقل كون الفعل على هذه الصفة، أي كون الإنسان مدعواً للإتيان أو عدم الإتيان به. ولكن من يطلق هذه الدعوة؟ إنه الضمير والوجدان فإنه هو الذي ينادي الإنسان إلى رعاية العدل والتجنب عن الظلم، أي يدعوه إلى إعطاء كل ذي حق حقه والتجنب عن سلبه إياه. فكما أن في الصلاة جانبين: دعوة لأدائها، والداعي هو الشارع المقدس، وصفة للصلاة بلحاظ تلك الدعوة وهي أن الإنسان مدعو إلى الإتيان بها، كذلك الحال في كل فعل يوصف بالحسن والقبح، فدور العقل في ذلك هو إدراك وجود تلك الصفة للفعل، أي أنه ينبغي فعله أو لا ينبغي فعله، والذي يحكم بكونه مما ينبغي فعله أو لا هو قوة أخرى من قوى النفس وهي المسماة بالضمير والوجدان.
وأما المسلك الثاني فهو الآخر غير تام فإن ثبوت الحسن والقبح ليس منوطاً بحفظ النظام ومراعاة مصلحة النوع الإنساني أو عكس ذلك، بل لا شك في قبح إيذاء البريء مثلاً بغض النظر عن أي مفسدة عامة تترتب على ذلك. فلا
[١] الشمس:٧، ٨.