بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٧٢ - تحديد موارد التزاحم بين وجوب الحج ووجوب أداء الدين
خبراً بل كأنه قاعدة مسلمة.
ولا يبعد كونه كذلك من جهة جريان السيرة العقلائية على وفقه الممضاة من قبل الشارع المقدس بعدم الردع، بل الشواهد على إقرارها في الروايات كثيرة.
ولكن لما كانت السيرة دليلاً لبياً فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن من موردها، ويمكن أن يقال: إنه هو الأموال الخارجية دون الذمية، فتأمل.
ولو غض النظر عن هذا فإنه لما كان مفاد القاعدة المذكورة هو عدم جواز مزاحمة المالك، ولا مزاحمة مع طيب نفس الدائن ببقاء دينه على ذمة المدين, فلا سبيل إلى التمسك بتلك القاعدة في مورد الشك في طيب نفسه بذلك، لأنه من قبيل الشك في الشبهة المصداقية التي لا يمكن التمسك فيها بالعام.
وعندئذٍ فالمرجع هو أصالة البراءة عن وجوب المبادرة إلى وفاء الدين. وأما استصحاب عدم طيب النفس ــ ولو على سبيل العدم الأزلي ــ فهو إن تم له مورد فإنه لا يقتضي وجوب المبادرة إلى الوفاء إلا على وجه مثبت، فتدبر.
وبذلك يظهر الخدش في التمسك في المقام بما دل على حرمة حبس الحقوق عن اصحابها, فإنه مع الشك في كون الدائن راضياً ببقاء دينه يشك في كون عدم ردّه مصداقاً للحبس أو لا، فلا يمكن التمسك بالدليل المذكور. وأما استصحاب عدم رضاه فإنه إن كان له مورد فإنه لا يثبت عنوان الحبس كما لا يخفى.
نعم يمكن أن يقال: إن قوله ٦ : ((لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه)) لو بني على عدم انصرافه إلى المال الخارجي بل شموله للمال الذمي فإنه مما يمكن التمسك بإطلاقه في المقام بضميمة استصحاب عدم طيب النفس في مورد جريانه.
اللهم إلا أن يقال: إن هذا الحديث الشريف لا يتضمن حكماً تأسيسياً شرعياً بل مفاده إمضاء ما بنى عليه العقلاء، وقد مرَّ أن بناءهم على عدم وجوب أداء الدين الحالّ إلا مع إحراز عدم رضا الدائن ببقائه في ذمة المدين،