بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٨٨ - الأقوال في اشتراط الرجوع إلى الكفاية في وجوب حجة الإسلام
كفايته وكفاية عياله وليس معه ما يحج به غير ذلك وإذا حج به كفاه وكفى عياله ذاهباً وراجعاً ولا يفضل شيء فهل يلزمه الحج؟ فيه وجهان مشهوران: أحدهما لا يلزمه، وهو قول ابن سريج وصححه القاضي أبو الطيب والروياني والشاشي. ثانيهما ــ وهو الصحيح ــ يلزمه لأنه واجد للزاد والراحلة .. وهذا وهو الصحيح عند جماهير الأصحاب. قال صاحب الحاوي هذا مذهب الشافعي وجمهور أصحابه سوى ابن سريج ..).
هذا حال الحنابلة والأحناف والشوافع، وأما المالكية فقد صرحوا بعدم اعتبار الرجوع إلى الكفاية في وجوب الحج، قائلين [١] : إن من كان قادراً على أدائه ولو بثمن شيء يباع من ماشية أو عقار أو كتب علم أو آلة صناعة أو غير ذلك وجب عليه الحج حتى ولو صار فقيراً بعد حجه.
وبهذا الاستعراض لأقوال فقهاء الجمهور يظهر أن ما ذكره شيخنا الطوسي (قدس سره) [٢] من أن أحداً من فقهاء الجمهور لم يعتبر الرجوع إلى الكفاية شرطاً في وجوب الحج إلا ما حكي عن ابن سريج الشافعي ليس دقيقاً، بل إن أحمد بن حنبل وأتباعه وبعض فقهاء الأحناف بل وبعض آخر من فقهاء الشافعية قد قالوا بمثل ذلك.
ومن المفارقات التزام أبي حنيفة ومعظم اتباعه بعدم اعتبار الرجوع إلى الكفاية في وجوب الحج منسجماً مع ظاهر ما رووه عن النبي ٦ في تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة، مع أن أبا حنيفة وأصحابه ممن يقل اعتمادهم على الأحاديث ويكثر استنادهم إلى القياس والوجوه الاستحسانية، في حين التزم ابن حنبل وأتباعه وهم من السلفيين الملتزمين بحرفية النصوص غالباً بأن الرجوع إلى الكفاية شرط في وجوب الحج مع عدم اشتمال نصوصهم على ذلك. ولم يكلف ابن قدامة الحنبلي [٣] نفسه الاستدلال على ذلك بأي وجه، بل أرسله إرسال
[١] لاحظ الشرح الكبير لأبي البركات العدوي ج:٢ ص:٧، وحاشية الدسوقي ج:٢ ص:٧.
[٢] الخلاف ج:٢ ص:٢٤٥.
[٣] المغني ج:٣ ص:١٧٢.