تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٩٧
إلى أن انتبه السيّد في بعض الليالي، و كان على السطح، إذ سمع صوتا من البيت، فنظر من الروزنة[١]، فرأى رابعة في السجدة، و تقول: إلهي، تعلم أنّ هوى قلبي على موافقتك، و امتثال أمرك، و رضاي في خدمة باب عظمتك، و إن كان أمري بيدي ما فترت عن الخدمة و العبودية، و لا استرحت، و لكنّك جعلتني تحت يد مخلوق، و هكذا تناجي اللّه تعالى، و رأى قنديلا معلّقا فوق رأسها بلا سلسلة، و البيت قد أضاء منه، فلمّا اطّلع السيد على حالها، صار متفكّرا قائلا: لا يليق بنا أن نستخدم مثل هذه، و نجعلها مشغولة بخدمتنا، بل يجب علينا أن نقوم نحن بخدمتها. فلمّا أصبح دعا رابعة و أكرمها و أعتقها، فاستأذنت منه الرّواح إلى حيث ما شاءت، فأذن لها، فخرجت من بيته، و دخلت خربة، فما كان يطّلع على حالها غير علّام الغيوب، و اشتغلت فيها بالعبادة للّه تعالى، و كانت تصلّي في اليوم و الليلة ألف ركعة، و تحضر مجلس الحسن رحمه اللّه في بعض الأحيان.
و قيل: إنّها صارت مطربة مغنية، ثم تابت على يد الحسن، ثم تركت الخربة، و اتّخذت صومعة في مغارة بعيدة من الناس، ثم قصدت الحجّ، و كان لها حمار، فحمّلته بعض شيء من أثقالها، و توجّهت إلى مكة[٢]، فلمّا بلغت نصف الطريق هلك حمارها، و أراد بعض الناس أن يحمل أثقالها، فما رضيت، و قالت لهم: أنتم اذهبوا، فإنّي ما جئت متوكّلة عليكم. فارتحلت القافلة، و بقيت رابعة في البادية منفردة، قالت: إلهي، الملوك كذا يعملون مع امرأة عاجزة غريبة، دعوتني إلى زيارة بيتك، و أهلكت حماري في الطريق، و تركتني في البوادي و ما نمت!؟ و بينما هي في المناجاة إذ تحرّك الحمار، و قام بإذن اللّه، و حمّلته رابعة و سارت به، حتى روي أن الحمار المذكور رئي يباع في السوق، ثم بعد زمان قالت: يا ربّ، تضجّرت، إلى أين أروح و أنا مدرة[٣]، و البيت
[١] -الروزنة: الكوة النافذة، الخرق بأعلى السقف. متن اللغة( رزن).
[٢] -في هامش( أ): و سفر المرأة بغير محرم مخالف للشرع.
[٣] -المدر: قطع الطين، واحدتها مدرة.