تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨١٣
كان المطر يقلّ، و أرادوا أن يحملوا الجنازة أيضا، يعود المطر و يؤذيهم، فتذكّر واحد من خواصّ المريدين ما قاله الشيخ: إنه يكون معه في الدنيا، و في القبر، و في الآخرة، و أخبرهم بالقصّة، فكلّ من سمع هذا المقال من الشيخ تذكّره، و أجمعوا على أن يدفنوه في جوار الشيخ في القبة التي بنوها عليه، و علموا أنّ إنزال المطر ما كان إلّا لأجل كرامة الشيخ، و تصديق وعده، فأمروا بحفر قبر في القبة، في جنب قبر الشيخ، فانفتحت ثلمة في قبر الشيخ رحمه اللّه، و نظر إليه الحفار، و لا جرّ شيئا لا يعلمه إلّا اللّه تعالى، فسدّ الثّلمة بمدرة، فصاح، و غاب عنه عقله، حتى حملوه إلى بيته على الأكتاف، و لم يتكلّم إلى أربعين، و لا فتح عينيه إلى أن مات بعد الأربعين. و نقل أنّهم لما دفنوا أبا طاهر، انقطع المطر، و طاب الدنيا[١].
نقل أن الشيخ أبا سعيد رحمه اللّه لما دنت وفاته، جمع الأصحاب و ودّعهم، و قال: عشت ألف شهر، و الألف عدد كامل، و لا بدّ من النقصان.
ثم إنّ جماعة من الجنّ قد استأنسوا بنا و بكلماتنا، بعضهم يسكنون نيسابور و بعضهم بقريتنا[٢] هذه، فإن سمعتم صياحا و بكاء و من دون أن تروا شخصا، فاعلموا أنهم حضروا، و الدمع كان يجري على خديه، ثم وصّاهم بوصيتهم، ثم نزل من يطقه[٣]، و ركب فرسا، و دار في جميع المواضع التي عبد اللّه تعالى فيها، و ودّعها باكيا، ثم رجع إلى البيت، و صحّ بعض الأيام، ثم توفّي إلى رحمة اللّه، فسمعوا صوت البكاء و صياحا كثيرة و نياحة، و لم يروا شخصا، حتى أن أهل الميهنة كلّهم سمعوا ذلك، فعلموا أنّهم الجنّ الذين أخبرهم الشيخ، ثم لمّا حملوا جنازة الشيخ توقّفت في الهواء بين وقت طلوع الشمس إلى الضّحى، فعلموا أن الجنّ أوقفوها، و يمنعون عن الذهاب بها، فصبروا إلى أن قضوا و طرهم، ثم ذهبوا بها إلى المدفن، و دفنوها. رحمه اللّه.
[١] -أسرار التوحيد ٤١٩، ٤٢٠.
[٢] -كذا في الأصل، و تقرأ: و بعضهم نفوسنا.
[٣] -اليطق: كيس محشو بالتبن أو غيره، يستخدم بصفة فراش. موسوعة العامية السورية.