تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٣٥٦
نقل أنه سئل الجنيد عن المحبّة، فقال الجنيد: قال قوم: هي الموافقة[١]، و قوم: هي الإشارة، و قالوا غيره. فأخذ السريّ بجلد يده يجرّه، فما طلع من موضعه، فقال: بعزّته، لو قلت يبس جلدي من محبّته لصدقت. قال هذا و غشي عليه، و خرّ زائل العقل.
و قال السريّ: يصل العبد من المحبّة إلى مقام لو ضرب بفأس لما أحسّ به.
و قال: إذا جاء إليّ بعض الناس ليتعلّموا منّي شيئا من العلم، أقول لهم:
اللهم ارزقه العلم، و اجعله مشغولا به عنّي؛ لئلا يتردّد عليّ و لا يعرفني.
نقل أن رجلا اشتغل بالمجاهدة ثلاثين سنة، قيل: بم أدركت هذا المقام؟
قال بدعاء السريّ. قيل: كيف كان؟ قال: ذهبت إلى باب خلوته نوبة، و قرعت الباب، فقال: من أنت؟ قلت: صديق غير أجنبي. قال: فلو لم تكن أجنبيّا لكنت مشغولا به، و لم تلتفت إلى سواه. ثم قال: اللهم اجعله مشغولا بك، بحيث لا يبقى له التفات إلى غيرك. دعا بهذا الدعاء، و نزل في صدري شيء إلى أن وصلت إلى هذا المقام.
نقل أنه كان يعظ الناس، فمرّ بمحلّه[٢] شخص من ندماء الخليفة اسمه أحمد بن يزيد الكاتب في كوكبة عظيمة مع جماعة من الخدّام و الغلمان، فدخل المجلس، و قال: إلى متى أتردّد في موضع واحد و إلى مكان لا ينبغي أن يذهب إليه! و إنّي قد تضجّرت من ذلك. فلمّا سمع كلام السريّ كان يجري على لسانه في تلك الحالة: أنه ليس في ثمانية عشر ألف عالم مخلوق أضعف من الإنسان، و لا يعصي اللّه أحد من مخلوقاته كما يعصي الإنسان، فالعجب كلّ العجب للإنسان الضعيف العاجز كيف يعصي الإله القويّ الكبير؟! فهذا الكلام كسهم أثّر في قلب أحمد، فبكى إلى أن وقع مغشيّا عليه، فلمّا أفاق قام و ذهب إلى بيته، و لم يطعم تلك الليلة شيئا، و جاء اليوم الثاني إلى المجلس ماشيا
[١] -في( ب): هي المراقبة.
[٢] -في( أ): فمرّ في مجلسه.