تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١١٨
مكرّما، فلمّا وصل إلى باب البيت، و دقّ الباب، سمعوا صوته، قالوا: قد تغيّر صوته، عسى أن وصل به جراحة، أو حصل به وجع. قال الفضيل: نعم، إنّي جرحت جراحة. قالوا: على أيّ عضو؟ قال: على القلب. ثم دخل البيت، و قال لامرأته: إنّي أقصد الحجّ، فإن أردت مصاحبتي و موافقتي فذاك، و إلا فأسرّحك. قالت امرأته: حاشا أن أفارقك، و أكون حيث تكون. فقصد هو مع امرأته الحجّ، و سافر هو مع امرأته إلى مكّة، و اللّه تعالى قد سهّل عليهما الطريق، فدخلا مكّة شرّفها اللّه، و أقاما بها، و صاحب هناك جماعة من أولياء اللّه تعالى، و صاحب أبا حنيفة رضي اللّه عنه، و حصلت له رواية عالية، و رياضة تامّة، و انفتح عليه باب الكلام في مكّة شرّفها اللّه، و كان يجتمع عليه أهل مكّة، و كان يعظهم.
نقل أنه قال هارون الرشيد ليلة للفضل البرمكي: أريد أن تذهب بي الليلة إلى شخص يريني نفسي، فإنّي تضجّرت من السلطنة. فذهب به الفضل إلى سفيان بن عيينة، و دقّ الباب، قال سفيان: من أنتم؟ قال: هارون أمير المؤمنين. قال سفيان: لم تعب السّلطان سلّمه اللّه؟ و ما خبّر تموني لأجيء إليه. قال هارون للفضل: ليس هذا من أريده. فأخبروا سفيان بالواقعة، قال:
هذا الذي قصده أمير المؤمنين ليس إلّا الفضيل. فذهبوا إليه، فلمّا وصلوا إلى بابه أحسّوا[١] أنه يقرأ شيئا من القرآن، فاستمع هارون، فإذا هو يقرأ: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الجاثية: ٢١] قال هارون: لو لم يكن لنا حظّ من صحبة هذا الشخص غير استماع هذه الآية لكفانا. ثم دقّ الباب، قال الفضيل: من على الباب؟ قالوا: هو أمير المؤمنين هارون. قال الفضيل: و ما شأنه معي؟ فإنّي رجل فقير هارب. و ما فتح الباب، قال الحاجب: طاعة أولي الأمر واجبة. قال: لا تشوّشوني. قال الحاجب:
لا بدّ من الدخول إليك. قال الفضيل: أمّا بالإذن فلا، و أمّا بالحكم و الوقت،
[١] -في( أ): إلى بابه سمعوا.