تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٢٢
ثم عبر روحي على جميع عالم الملكوت، و عرضت عليه الجنة و النار، فلم يلتفت إليهما، و ما وصلت في عروجي إلى روح إلّا سلّمت عليه، حتى وصلت إلى الروح المحمدي صلى اللّه عليه و سلم، رأيت هناك بحورا من النار، و ألف حجاب من النور، فإنّي لو خضت في أول تلك البحور لاحترقت بأول قدم، دهشت من الهيبة إلى أن لم يبق منّي أثر، و كلّما اجتهدت في أن أنظر إلى خيمة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم؛ بل وتد خيمته ما قدرت على ذلك، ثم وصلت إلى الحقّ، و السرّ في ذلك أن كلّا من الأولياء يصل إلى الحقّ على قدر قابليته، فإنّ الحقّ جلّ جلاله مع الجميع؛ أمّا النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فهو في الحرم الخاصّ[١] و المقام الأعلى، و لذا حتى لا ينقطع وادي لا إله إلا اللّه لا يقدر على الوصول إلى بداية وادي محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.
أقول: و يؤيّده ما نقل عن جبريل ٧ أنه تخلّف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ليلة المعراج، و قال: لو دنوت لاحترقت[٢]. قال اللّه تعالى حكاية: وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤] و اللّه أعلم.
ثم قلت: ماذا أعمل يا ربّ؟ قال: خلاصك في إخلاص متابعتك لحبيبي المصطفى صلى اللّه عليه و سلم، فاكحل عينيك بغبار أقدامه، و داوم متابعته؛ فإنّ سعادة الدارين في ضمن متابعة شريعته مندرجة كما قال اللّه تعالى آمرا: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١].
أقول: فإن قلت: كيف يجوز أن يكون لأبي يزيد معراج، و قد كان المعراج مخصوصا بالنبيّ صلى اللّه عليه و سلم؟ قلت: يجوز أن يكون لأبي يزيد معراج معنويّ روحانيّ لا جسماني؛ بل المعراج بهذا المعنى يجوز لكلّ واحد من آحاد المؤمنين، كما قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «الصلاة معراج المؤمن»[٣] و أمّا المعراج بالجسد من المسجد
[١] -في( أ): هو في إحرام الخاص.
[٢] -حديث رواه ابن حبان في كتاب العظمة ٢/ ٦٧٧( ٩).
[٣] -حديث ذكره المناوي في فيض القدير ١/ ٤٩٧.