تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٠٨
لا يخالطني[١] أحد، كنت أفرّ من الناس.
و نقل أنّها كانت تئنّ دائم الأوقات، قيل لها: يا عزيزة، لا نرى و لا نعلم لك علّة و لا وجعا، و لك أنين و توجّع دائما! قالت: لي علّة في الجوف، و وجع في صدري يعجز كلّ طبيب في الدنيا عن معالجته، و لا دواء لدائي غير وصال حبيبي، أتعلّل لعلّي أصل إلى مقصودي غدا.
و نقل أنه رآها جماعة، فسألت واحدا منهم: أنت لم تعبد اللّه تعالى؟ فقال:
دركات النار عظيمة مهيبة، و لجميع الخلائق عليها عبور، فأخاف أن لا أبقى فيها زمان العبور، فأعبد اللّه تعالى خوفا من النار. فسألت آخر، فقال: درجات الجنة عالية، و نعمة غالية، فلأجل حصول نعمة الجنة أعبد اللّه تعالى. قالت رابعة: أيّ عبد له يعبده خوفا من النار، و طمعا في الجنة! قالوا: يا رابعة، و أنت، لم تعبدين اللّه تعالى؟ قالت: الجار ثم الدار، أليس يكفينا أنه تعالى أذن لنا في عبادته، فلو لم تكن جنة و لا نار كانت عبادته واجبة علينا، فإنه مستحقّ العبادة له، و هو المستحقّ للعبودية
أقول: و يؤيّده أنّه سمع عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنّه كان يقول في مناجاته: إلهي، ما عبدتك رغبة في الجنة، و لا رهبة من الجحيم؛ و لكن وجدتك أهلا للعبادة، فعبدتك. و اللّه أعلم.
نقل أنه جاء إليها شخص، و رأى ثيابها خلقة مقطّعة، قال لها: هنا ناس كثير، إن سألت عنهم ينظرون لك، و يشفقون عليك. قالت: أنا أستحيي أن أطلب الدّنيا ممن هو ملكه، و هو مالكها، يعطي من يشاء، و يمنع من يشاء، فكيف أطلبها من شخص هي عارية في يده؟ قال الرجل: يا عجبا من علوّ همّة هذه العجوز؛ فإنّها لا تريد أن تصرف وقتها في غيره، و لا تشتغل بغيره أبدا- أي بغير اللّه تعالى.
[١] -في( أ): ألّا يخاطبني أحد.