تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٥٥
في جانب آخر، و الحاكم عدل لا يجور و لا يظلم، و قدّامي طريقان، و ما أعلم في أيّهما أسلك به، ثم ختم القرآن ثانيا، و قرأ من سورة البقرة سبعين آية فانضاقت حاله، فقيل: قل اللّه. قال: ما نسيته. ثم عقد أصابعه، و أرسل المسبّحة، و قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، و غمض عينيه، و توفّي إلى رحمة اللّه تعالى.
ثم إنّ الغسّال حين كان يغسّله، أراد أن يفتح عينيه، و يغسلهما، فسمع هاتفا يقول: عين غمضت باسمنا، لا تنفتح إلّا بلقائنا. فأراد أن يبسط أصابعه، فسمع أيضا: أصابع عقدت على اسمنا، لا تنبسط إلّا بأمرنا.
ثم رئي في المنام، و سئل: كيف أجبت عن سؤال منكر و نكير؟ قال: حين أتى إليّ الملكان المقرّبان من حضرة ربّ العزّة في غاية الهيبة، و قالا لي: من ربّك؟ فنظرت إليهما، و تبسّمت، و قلت: لمّا قال اللّه تعالى: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] قلت: بلى، و اعترفت بوحدانيته بلا واسطتكم، فمن قد أجاب السّلطان مواجهة، يجيب عن سؤال الغلام أيضا الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:
٧٨] فتركاني، و ذهبا و قالا: هو بعد في سكر المحبّة.
رآه آخر في المنام، و قال: أخبرني عن حالك، قال: ليس الأمر كما تظنّون، فإنّ جميع الأنبياء مع قربّهم و علوّ قدرهم أطرقوا رؤوسهم منتظرين لحكم اللّه تعالى.
قال الحيري: رأيت الجنيد رحمه اللّه تعالى، و قلت: ما فعل اللّه بك؟ قال:
رحمني، إذ طاشت تلك الإشارات، و تلاشت تلك العبارات، و ما نفعني إلّا تلك الركعتان، صلّيتهما قبل الصبح.
و كان الشّبليّ عند قبر الجنيد رحمه اللّه، فسأله شخص عن مسألة، فما أجاب، و قال: أستحيي من الجنيد و هو تراب، كما كنت أستحيي منه و هو بيننا[١].
[١] -و كأني بقوله هذا ترجمة لبيت شعر ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد ٣/ ٢٧٨ من غير عزو:--
|
سألتُ حبيبى الوصلَ منه دُعابَةً |
و أعْلَمُ أنَّ الوصل ليس يكونُ |
|
|
فمَاسَ دلالًا و ابتهاجاً و قال لى |
برفقٍ مجيباً( ما سألتَ يَهُونُ) |
|