تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٣٥٧
لا راكبا، و وقف إلى آخر المجلس، و جاء إليه اليوم الثالث ماشيا منفردا، و لمّا تمّ المجلس تقدّم إلى الشيخ و قال: يا أستاذ، قد أمسكني الكلام الذي سمعت منك في أوّل ما دخلت مجلسك اليوم الأول، و أبغضت الدنيا، و بردت على قلبي، أريد أن أعتزل الناس، و أترك الدنيا. و الشيخ كان يحدّث في النصائح، فما أطاقه الرجل، و توجّه إلى الصحراء، و لم يعلم منه أثر و لا خبر إلى أيام، فجاءت امرأة عجوزة باكية تنتف شعرها إلى الشيخ، و قالت: يا إمام المسلمين، لي ابن شابّ غضّ طريّ، سمعت أنه جاء إلى مجلسك ضاحكا متبخترا فرحان، و خرج باكيا منحنيا ذا أحزان، و من ذلك اليوم غاب عنّي، و لا أعلم مكانه، و قلبي يحترق من فراقه، فكيف يكون حالي؟ و إلى أيّ شيء يصير مآلي؟ فمن غاية تضرّعها ترحّم عليها السريّ، و رقّ لها قلبه، و قال لها:
لا تتضجّري، فإنه لا يكون إلّا خيرا، إذا جاء إلينا فنحن نخبرك، و أنه ترك الدنيا و الأهل و العيال، و تاب إلى اللّه تعالى. فبعد أيام جاء إلى الشيخ ليلا، فقال الشيخ للخادم: لتخبر أمّه. فرأى الشيخ أحمد قد اصفرّ وجهه، و نحل جسمه، و انحنى ظهره، فقال: يا شيخ، كما أنت نقلتني من الظّلمات إلى النور، و أنجيتني بتوفيق اللّه تعالى عن تلك الأحوال الدّنية، و أوصلتني إلى المراتب السنية، أراحك اللّه تعالى في الدّنيا و الآخرة. و شكر اللّه تعالى كثيرا على نعمة الفقر و ترك الدنيا، و كان مشغولا بهذه الكلمات إذ دخلت أمّه مع جميع أهله و عياله، و كان له ابن صغير جاؤوا به لديه، و لمّا وقع نظر أمّه عليه، و رأته في حال ما رأته في مثل تلك الحال أصلا، عليه ثوب عتيق مقطّع، و لونه متغيّر، و شعره مغبرّ أشعث، بكت و صاحت، و اعتنقته، و شرعوا في التضرّع و في البكاء، و ارتفع صياحهم بالأنين و البكاء، و اجتهدوا كثيرا ليذهبوا به إلى بيته، فما قبل، و لم ينفع أنينهم و بكاؤهم، فقال: يا إمام المسلمين، لم أخبرتهم، و هم يشوّشون عليّ الحال؟ قال الشيخ: جاءت إليّ أمّك، و تضرّعت و جزعت، و أنا وعدتها بأنك إذا حضرت لدي أخبرها بالحال. فأراد أحمد أن يعود إلى مكانه، بكت امرأته و تعلّقت به، و قالت: جعلتني أرملة في حياتك، و أيتمت