تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٦٤
سفينة، فركبت معهم، فبعد زمان ضاع لتاجر في السفينة درّة، و كانوا يفتّشون الناس واحدا واحدا، حتى اتّفق الكلّ أنها عندي، و شرعوا يؤذونني و يحقّرونني و يستخفّون بي، و أنا كنت ساكتا صامتا إلى أن جاوزوا الأمر من الحدّ، فنظرت في البحر، فإذا ألوف من السمك أطلعت رؤوسها من البحر، و في فم كلّ واحد منها درّة، قال ذو النون: فأخذت واحدة منها، و أعطيتها التاجر، و أهل السفينة شرعوا في الاعتذار و عظّموه، و لذلك سمّي ذا النون.
حكي أنّه كانت له أخت، صارت من بركته إلى أنها يوما قرأت هذه الآية:
وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى [البقرة: ٥٧] و نظرت إلى السماء و قالت: إلهي، أنزلت على بني إسرائيل المنّ و السلوى، و ما أنزلت على أمّة محمد عليه الصلاة و السلام، بعزّتك يا ربّ لا أقعد من القيام حتى تنزل عليّ من المنّ و السلوى. فأنزل اللّه تعالى عليها المنّ و السلوى من الرّوزنة[١]، فخرجت من البيت، و دخلت البادية، و ما رأوها بعد ذلك.
نقل أنه قال: كنت أسير في الجبل، فرأيت هناك جماعة ابتلاهم اللّه تعالى ببليّات، فقلت لهم: و ما أصابكم؟ و لم اجتمعتم هنا؟ قالوا: هنا شيخ في صومعة، يطلع منها في كلّ سنة مرّة، و يدعو لهؤلاء المضطرّين، و يشفيهم اللّه تعالى ببركة دعائه، ثم يدخل الصومعة إلى سنة أخرى، قال ذو النون: فصبرت هناك حتى طلع، فرأيت شخصا مصفرّ اللون ضعيفا، غارت عيناه، فوقعت من هيبته رجفة على الجبل، و نظر إلى هؤلاء، ثم نظر إلى السماء، فشفاهم اللّه تعالى في الساعة، فأراد أن يدخل للصومعة، فتعلّقت بذيله، و قلت له: للّه تعالى عالجت العلّة الظاهرة، فعالج العلّة الباطنة. فنظر إليّ، و قال: يا ذا النون، اترك ذيلي؛ فإنّ الحبيب ينظر إليك من أوج العظمة و الجلال، و يعلم أنّك تعلّقت بغيره، ثم يتركك إلى ذلك الشخص، و يتركه لك، و يهلككما جميعا. فقال هذا و دخل الصومعة.
[١] -الرّوزنة: الكوة النافذة، الخرق بأعلى السقف، جمع روازن. متن اللغة( رزن).