تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٦٢
و جهرا، و ليلا و نهارا، ما رأيته في هذه المدّة مكشوف الرأس، و لا مدّ رجله استراحة، قلت له: يا إمام المسلمين، إن مددت رجلك لحظة في الخلوة، ماذا يكون؟ قال: رعاية الأدب من اللّه أولى.
نقل أنه كان يمضي إذ رأى صبيّا قد وقع في الوحل، و انعلقت رجله بالوحل، فقال له أبو حنيفة رضي اللّه عنه: اجعل بالك[١] لئلا تسقط. قال الصبي: يا إمام المسلمين، وقوعي[٢] أمر هيّن، و قيامي أيضا سهل؛ فإنّي إن وقعت وقعت وحدي، و لكن بوقوعك يقع عالم، و قيامك أيضا يكون عسيرا.
فبكى أبو حنيفة من كلام الصبيّ، و تعجّب من حلاوته و حذاقته، ثم قال لأصحابه: إن سنح لكم دليل أظهر من دليلي، و انكشف شيء لم ينكشف لي، فاعملوا به، و لا تقلّدوني. و لذا خالفه أبو يوسف رضي اللّه عنه، و محمد رضي اللّه عنه و غيرهما في كثير من المسائل المذكورة في الفقه، و هذا دليل على كمال إنصافه و ورعه.
نقل أن رجلا ذا مال و ثروة في عهد أبي حنيفة كان عدوّا لعثمان بن عفان رضي اللّه عنه مجاهرا بها حتى يقول: إنه- رضي اللّه عنه- كان يهوديّا. سمع أبو حنيفة كلامه من الناس، فدعاه إليه، و كان في المدينة رجل يهوديّ صاحب مال و جاه، و له ابن، و قال له- أي لعدوّ عثمان-: اليهوديّ الفلاني يخطب بنتك من ابنه. فاغتمّ الرجل بذلك الخبر، و انغاظ منه، و ظهرت الرجفة في أعضائه، و قال: أنت إمام المسلمين! و كيف يجوز استخطاب بنات المسلمين من أبناء اليهود؟ و كيف يمكن هذا؟ قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه: سبحان اللّه، أنت لا تجوّز أن تكون بنتك تحت ابن يهوديّ، و لا ترضى به، فكيف تجوّز أن تكون بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم امرأة ليهوديّ، و ترضى به؟ فعلم الرجل أنه أخطأ في اعتقاده، فرجع عنه و صار سنّيا.
[١] -اجعل بالك: خذ حذرك.
[٢] -في( أ): يا إمام المسلمين، سقوطي.