تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٥
له: إنّ اللّه يعلّمك، فلو لم يعلّمك غيره لكان خيرا، ثم قال لهما: انصرفا، فإنّ القيامة قريب، و سنلتقي فيها و لا نفترق، و إنّي الآن مشغول بتحصيل زادها.
و لمّا علم أهل قرن أنّ لأويس اعتبارا و قدرا و محلّا، فارقهم، و ذهب إلى الكوفة، و ما رآه بعد ذلك إلا هرم بن حيّان[١]، فإنه قال: سمعت أن شفاعته مقبولة، قصدته، إذ غلب عليّ الاشتياق دخلت إلى الكوفة و طلبته، فما وجدته حتى التقيت به في شاطئ الفرات يتوضأ، فعرفته بالعلامة، فرحت إليه، و سلّمت عليه، فردّ الجواب، و نظر إليّ، فأردت تقبيل يده، فمنعني، فقلت:
رحمك اللّه يا أويس و غفر لك، كيف حالك؟ و غلبني البكاء رقّة عليه لما رأيت من ضعفه، فبكى هو أيضا، و قال: يا هرم بن حيان، من دلّك عليّ؟ قلت:
كيف عرفت اسمي و اسم أبي؟ قال نبّأني العليم الخبير، و عرّف روحي روحك؛ فإنّ بين أرواح المؤمنين تعارفا. فقال له هرم: حدّثني عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حديثا. قال: ما صاحبت النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و لكن سمعت بعض أخباره من غيره صلى اللّه عليه و سلم، و لا أحبّ أن أفتح عليّ باب الإفتاء و التذكير؛ فإنّ لي شغلا قد شغلني عن ذلك. فقال: قلت: أحبّ أن أسمع منك آية من القرآن. فأمسك بيدي، و قال:
أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، و بكى بكاء عظيما، ثم قال: يقول اللّه تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الدخان: ٣٨- ٤٢] ثم شهق شهقة، ما أدري أنّه هل بقي عقله أم لا؟ ثم قال: يا هرم بن حيان، لم جئت إليّ؟ قلت: لأستأنس بك و أستريح. قال: لا أدري، أنّ من عرف اللّه تعالى كيف يستأنس بغيره، و كيف يستريح مع غيره؟ قال: قلت: أوصني. قال: اجعل الموت تحت رأسك،
[١] -هو هرم بن حيّان العبدي الأزدي، من بني عبد القيس، قائد فاتح، من كبار النسّاك من التابعين، ولي بعض الحروب في أيام عمر و عثمان بأرض فارس، مات سنة ٢٦ للهجرة في إحدى غزواته. و جعله الجاحظ من النسّاك الزهاد من أهل البيان.