تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٦٧
و أيضا قيل: لأنّه كان يخبر بنور الفراسة عن الأسرار الباطنة.
و قيل: لأنه كان له صومعة في الصحراء، و هو يشتغل فيها بالعبادة، و النور يلمع منها بالليل و يتصاعد.
نقل أنه كان في الابتداء يأخذ من بيته كلّ يوم عددا من الخبز، و يذهب إلى دكّانه، و يتصدّق بالخبز في الطريق على المساكين، و في ظنّ أهله أنّه يأكل في الدكّان، و أصحابه في الدّكّان يحسبون أنّه قد أكل في البيت، و هو يدخل في المسجد، و يصلّي إلى الظهر، و هكذا إلى عشرين سنة، و لم يطّلع عليه أحد.
نقل أنه قال: اجتهدت سنين، و أعرضت عن الخلق كلّهم، و اشتغلت بالرياضة، و لم ينفتح عليّ الطريق، قلت: يا نفس، أكلت و شربت، و قلت و سمعت، و نمت و استيقظت، و عشت و اشتغلت بالشهوات مدّة على حسب المراد، و يجب عليك غرامتها و ضمانها، فالآن أحبسك، و أجعل في عنقك سلسلة من حقوق اللّه تعالى، و أقطعك عن المشتهيات و المرادات. ففعلت ذلك أربعين سنة.
و كنت أسمع أنّ قلوب هذه الطائفة ترقّ بكثرة الرياضة، حتى إذا سمعوا شيئا، أو نظروا إلى شيء اطّلعوا على سرّه[١]، و إنّي ما شهدت ذلك بعد في نفسي، فقلت: لا شكّ في أن ما روي عن الأنبياء و الأولياء حقّ و صدق، لكن التقصير إنّما هو منّي، فلعلّ ما عملت من الأعمال كان رياء، فلمّا تأمّلت في حالي، وجدت نفسي وافقتني في الأعمال، حتى أنّ ما عملت من عمل كان للنفس فيه حظّ، ثم ألزمت عليّ مخالفة النفس في جميع الأفعال و الأقوال، حتى آيست منّي، و انقطعت عن جميع الأماني و الآمال، و توجّهت إلى اللّه تعالى بالكلّية، و عملت له بعد ذلك بالإخلاص التامّ، بحيث ما بقي للنفس في شيء من الأعمال حظّ، فانفتح باب الأسرار و المعارف على قلبي، فعلمت أنّ المراد لا يحصل إلّا بترك المراد.
[١] -قوله:( على سرّه) ليست في( ب).