تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٣٣
على الأرض ميتا، تحيّر عبد اللّه رضي اللّه عنه في شأنه، و بقي متفكّرا ساعة، ثم رجع، و أخبر أصحابه و إخوانه، فحضروا، و هو تولّى غسله بنفسه، و صلّى عليه بجماعة من المسلمين، و كفّنه في كساء غليظ كان عليه، و رأى عبد اللّه في ليله إبراهيم و محمّدا ٨ يأتيان راكبين على براقين، فالتقيا بعبد اللّه بن المبارك، و قالا له: يا عبد اللّه، لم دفنت وليّا[١] في ذلك الكساء؟!
نقل أنه كان يمشي في بعض الأيام في وقار عظيم، و سكون و مهابة، فاستقبله شابّ سكران من أبناء السادات العلوية، و قال له: يابن الهندي- لأن المبارك كان غلاما هنديا- أنت تتماشى على تلك الطريقة، و أنا من أولاد الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، و حالي كما ترى! فقال عبد اللّه: لأنّي أعمل بما عمل به جدّك صلّى اللّه عليه و سلم و أمر و نهى، و أنت لا تعمل، لا جرم أنا على هذا الحال، و أنت على ذلك.
فلمّا بات عبد اللّه رأى في المنام النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم متغيّرا عليه، قال: يا رسول اللّه، ما لي أراك متغيّرا عليّ؟ و أيّ شيء هو جرمي؟ و ما ذنبي؟ قال صلّى اللّه عليه و سلم: لأنّك حملت الذنب على بعض أولادي في جماعة من الناس[٢]، و نسبت إليه ظاهرا.
فأصبح عبد اللّه، و قصد مقام العلويّ ليعتذر منه، و الحال أنّ الشابّ العلويّ أيضا رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم تلك البارحة، و اشتكى لديه من عبد اللّه، و قال له النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم: لو أنت كنت كما ينبغي، و عاشرت على طريقي، و سلكت محجّتي لما قال عبد اللّه ما قال. فأصبح العلويّ أيضا، و قصد عبد اللّه ليعتذر منه، فالتقيا في الطريق، و تحاكيا ما جرى عليهما، و تاب العلويّ على يد عبد اللّه، و هو على يد العلوي و رجعا.
أقول: معاتبة النبي صلّى اللّه عليه و سلم مع عبد اللّه بن المبارك لا شكّ أنّها كانت إرشادا له، و إصلاحا له، و إزالة لما توهّم فيه من العجب المردي، و من التحقير لبعض أولاد النبيّ ٧، و تهذيبا لأخلاقه، و تأديبا، و سببا لصلاح ذلك العلويّ المجاهر بالفسق، المخالف لسيرة أسلافه الكرام، و اللّه أعلم.
[١] -في( ب): دفنت وليّنا.
[٢] -في( أ): و في ملاء من الناس.