تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٢٩
فصاح عليه، و قال: من أنت؟ قال شخص من السقف[١]: إنّي رجل قد ضاع لي جمل، فأطلبه. قال إبراهيم: يا جاهل، كيف تطلب البعير على السقف؟ قال الشخص: يا غافل، و أنت كيف تطلب اللّه تعالى على السرير، و في الفراش الحرير؟ فهابه ذلك[٢] الكلام، و وقع في قلبه حريق، و ما نام باقي الليلة، فلمّا أصبح جلس على سريره متفكّرا متحيّرا، و اجتمع عليه أركان دولته، و جلس كلّ في مكانه، و اطمأنّ المجلس بهم، و قام الغلمان و المماليك صفوفا بين يديه، إذ دخل عليه رجل في غاية المهابة، حتى لم يقدر أحد من الحاضرين أن يقول له:
من أنت؟ و من أين تجيء؟ و عبر إلى إبراهيم، و وقف بين يديه عند سريره، فقال له إبراهيم: ماذا تريد؟ قال: أريد أن أنزل في هذا الرباط. قال إبراهيم: أنت مجنون! ليس هذا رباطا؛ بل هو بيتي. قال الرجل: هذا قبلك لمن كان؟ قال:
لأبي. قال: و قبله؟ قال: لجدّي. قال: و قبله؟ قال: لفلان. و قال: و أين هم؟
قال: ماتوا و مضوا. قال: أو ليس الرّباط كذلك يجيء شخص و يذهب آخر؟
قال هذا الكلام و غاب عنهم- قيل: هذا كان الخضر ٧- فازداد إبراهيم رحمه اللّه حزنا على حزن، و غمّا على غمّ، ثم ركب و قصد إلى الصيد، و قال: قد وصل إليّ اليوم شيء، و لا أدري كيف يكون مآله؟ فركب و دخل الصحراء، و كان يتردّد هائما تائها، لا يدري أين يروح، و ماذا يفعل، و وقع من العسكر في ناحية منفردا حتى سمع صوتا يقول له شخص: انتبه. فتغافل عنه، فسمع ثانيا، فتغافل عنه، ثم سمع ثالثا، فعبر من ذلك، فسمع رابعا: انتبه قبل أن تنبّه. فتحيّر إبراهيم رحمه اللّه، و ازداد تحيّره إلى أن ظهر قدّامه غزال، أراد أن يقصده، فأنطق اللّه الغزال، و قال: أرسلوني لأن أصيدك؛ فأنت لا تقدر على أن تصيدني، ثم سمع من قربوسي[٣] السرج: يا إبراهيم، ما لهذا خلقت، و لا بهذا أمرت. فأعرض عن الغزال، و ازداد قلقه و شوقه، و لمّا أراد أن يتمّ
[١] -في( أ): شخص في السطح.
[٢] -في( ب): فهابه ذكر الكلام.
[٣] -القربوس: حنو السّرج، أي قسمه المقوّس المرتفع من قدّام المقعد، و من مؤخّره.