تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١١٦
ليس معنا. و أشاروا إلى مكان، و قالوا: هناك شجرة و عين ماء، و هو مشغول بالصلاة في ذلك المكان. قال هذا الرجل: ليس هذا وقت الصلاة. قالوا: يصلّي تطوّعا. قال: و كيف هو لا يأكل معكم؟ قالوا: إنّما هو صائم. قال: ليس هذا من أيام الصوم. قالوا: يصوم تطوّعا. فتعجّب الرجل، و جاء إليه، فرآه في غاية الخشوع، و هو في الصلاة، وقف إلى أن فرغ من الصلاة، قال له: الضدّان لا يجتمعان؛ الصوم و قطع الطريق، و الصلاة و قتل النفس. قال الفضيل: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم، و قرأ عليه: وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً [التوبة: ١٠٢] فسكت الفضيل، و تحيّر في شأنه.
و قيل: إنه كان في أيام شبابه قبل التوبة ذا مروءة و همّة عالية، و كان لا يأخذ من النساء شيئا، و يترك لكلّ واحد مقدار رأس مال ليتّجر فيه، و كان مائلا إلى الصلاح، و عشق امرأة في ابتداء حاله، و ما كان يحصل له من قطع الطريق كان يصرفه إليها، و كان يدور بالليل، و يبكي من العشق، حتى سمع ليلة من شخص في قافلة يقرأ هذه الآية:* أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد: ١٦] فوقعت في قلبه وقوعا شديدا، و أثّرت فيه تأثيرا عظيما، و قال ذلك الشخص القارىء: يا فضيل، إلى متى تقطع الطريق؟ فنحن الليلة نقطع الطريق عليك- يعني نعبر من مكانك بحيث لا تطّلع علينا- و كانوا خائفين من الفضيل، و الحال أنّ الفضيل كان على رأس حائط، فلمّا سمع الآية و الكلام بعده، رمى نفسه من الحائط، و قال: نعم، قد آن الوقت.
بل عبر فتوجّه إلى خربة متحيّرا في حاله، خجلا من فعاله، فالتقى فيها بجماعة من المجتازين- أي العابرين الطريق[١]- قد اختفوا هنالك من الفضيل، و كان يقول بعضهم: نذهب. و بعضهم يقول: نخاف أن يكون الفضيل على الطريق. قال الفضيل: أبشروا، فإنّ الفضيل قد تاب.
فكان رحمه اللّه يدور على الخصماء، و يرضيهم، و يستحلّ منهم و يبكي
[١] -كذا الأصلين.