تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٣٩
من هذا. فشال الغطاء عن الطبق، فرأى جسم ذلك السائل مشويّا موضوعا على الطبق، فاجتنب عن أكله، و قال: ما أكلت من لحم الميت، و لا آكل. فقيل:
و كيف كنت تأكل من لحمه أمس، و الآن تنفر منه؟! فعلم أنّه اغتاب السائل بما خطر بباله فيه، و انتبه من النوم فزعان، و قال: توضّأت و صلّيت ركعتين، و خرجت في طلب السائل، فوجدته في جنب الشطّ، و هو يأخذ قطيعات البقل من وجه الماء ممّا غسلوه، و ذهب الماء بها، و يأكل، فلمّا رأى الجنيد رفع رأسه، و قال: يا جنيد، هل تبت ممّا أضمرت في حقّنا؟ قلت: نعم. قال:
اذهب الآن و احفظ الخاطر وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [الشورى: ٢٥].
و السلام.
نقل أنه قال: تعلّمت الإخلاص عن حجّام، إذ كنت بمكّة، فالتقيت بحجّام يزيّن محاسن رجل من ذوي اليسار، فقلت له: للّه تعالى احلق[١] رأسي. قال:
نعم. و دمعت عيناه، و ترك ذلك الرجل، و جاء إليّ، و قال: حين ذكرت اللّه تعالى ما بقي لغيره مجال. فأجلسني بين يديه، و قبّل رأسي، و شرع في الحلق، و لمّا تمّ أعطاني كاغدا فيه قراضة، و قال: اصرفها في حوائجك. فأخذت، و شرطت مع نفسي أنّ أول شيء يفتح اللّه عليّ أبعثه إليه مكافأة لإحسانه، فما مضى إلّا قليل إذ أهديت إليّ من البصرة صرّة، فحملتها إليه، فقال: ما هذا؟
قلت: قد نويت أنّ أوّل ما يفتح اللّه عليّ أجازيك به، فالآن حصل هذه، فاقبلها منّي. فقال: يا رجل، ما تستحي من اللّه تعالى؟ فإنّك أمرتني أن أحلق رأسك للّه، ثم جئت إليّ بالأجرة، فمن رأيت عمل للّه عملا، ثم أخذ الأجرة من غيره؟!.
و نقل أنه قال: كنت أصلّي في ليلة من الليالي، فما وافقتني نفسي في السجدة الأخيرة حتى ضاق قلبي، فأردت أن أطلع من البيت، ففتحت الباب، فخرجت، رأيت شابّا متدثّرا بكساء أسود واقفا بالباب، فلما رآني قال: كنت
[١] -في( ب): فقلت له: تعال احلق.