تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٩١
فإنّ اللّه تعالى يحاسب الغنيّ يوم القيامة بلا واسطة، و ذلك لا يكون إلّا محلّ العتاب، و العتاب من الحبيب ألذّ من كلّ شيء. قال: نعم، و لكن يعتذر يوم القيامة من الفقير، و العذر ألذّ من العتاب. و الحقّ ما قاله الجنيد، لأنّ الغنيّ بعيد من اللّه، فإنّ الفقير إذا تواضع للغنيّ لغناه يذهب ثلثا دينه[١]، فما ظنّك بالغنيّ المغرور، على أن الأغنياء هم الموتى في الحقيقة، و قد ورد: إيّاكم و مجالسة الموتى[٢]. و أيضا الغنيّ لا يدخل الجنّة إلا بعد المحاسبة، و يقف في المحشر لأجلها خمس مئة سنة[٣]، و الفقير من أوّل الأمر غريق في بحر الاعتذار، فكم بين العتاب و العذر؟!.
نقل أنه قال له بعض المتكلّمين: لأيّ شيء ترك الصوفية اصطلاح العلماء، و اصطلحوا على اصطلاح آخر؟ قال: لأن ذلك عزيز عندهم[٤]، فلم يريدوا أن يطّلع الأغيار المنكرون على مقاصدهم.
و له كلمات عالية و إشارات لطيفة منها ما قال: خير الأعمال ما عمل، و خير الكلام ما قيل، فلا تعمل عملا ما عمله أحد، و لا تقل كلاما ما قاله أحد.
أقول: يريد ما تقرّرت به السّنة، و مضت عليه الجماعة من العمل و القول،
[١] -روى الخطيب في تاريخ بغداد ٤/ ٣٦٨، و البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٢١٤، عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« ... و من دخل على غنيّ فتضعضع له ذهب ثلثا دينه».
و جاء في الفردوس بمأثور الخطاب ٣/ ٤٦٧، عن أبي ذر قال: لعن اللّه فقيرا تواضع لغنيّ من أجل ماله، فمن فعل ذلك منهم فقد ذهب ثلثا دينه.
[٢] -روى أبو نعيم في حلية الأولياء ٢/ ٣٥١، عن محمد بن واسع قال: أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب، و كثرة مثافنة[ مجالسة] النساء و حديثهن، و ملاحاة الأحمق تقول له و يقول لك، و مجالسة الموتى. قيل: و ما مجالسة الموتى؟ قال: مجالسة كل غنيّ مترف، و سلطان جائر.
[٣] -روى الترمذي( ٢٣٥٣) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام، نصف يوم» و الحديث رواه أحمد في المسند ٢/ ٥١٢، و الطبراني في الأوسط ٧/ ٣١٥( ٧٦٠٥).
[٤] في( أ): عزيز فيما بينهم.