تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٢٠
و تقول لي إنك أهلكته. فازداد هارون بكاء، و قال لحاجبه و هو الفضل: قال لك يا هامان؛ لأنه جعلني فرعون. قال له: يا شيخ، هل عليك دين؟ قال:
نعم، عليّ دين واحد، و هو طاعة اللّه تعالى، فإن وفّقني اللّه تعالى لأدائها فطوبى لي، و إلّا فيا خجلتا. قال هارون: إني أسألك عن ديون الناس. قال:
الشكر للّه تعالى على أنّ نعمه كثيرة عليّ، و إني لا أشكو منه، إذ لا شكوى لي منه. فوضع عنده هارون صرّة فيها ألف دينار، و قال: هذا من الحلال، قد وصل إليّ من ميراث أمّي. قال الفضيل: يا أمير المؤمنين، ما نفعتك نصائحي، فإنّك قصدت الظّلم عليّ؛ لأنّي أرشدتك إلى النجاة، و أنت توقعني في البلاء.
قال: كيف ذلك؟ قال الفضيل: أنا أمرتك بأن تردّ كلّ مال إلى مالكه، و أنت تصرفه إلى غيره. و قام من عنده، و لم يقبل الصّرّة، و اللّه أعلم.
نقل أنه كان له ابن صغير، هو ابن أربع سنين، فأخذه مرّة في حجره و قبّله، كما هو دأب الآباء، قال له ابنه: تحبّني؟ قال: نعم. قال: و هل تحبّ اللّه تعالى؟ قال: نعم. قال: يا أبت، كم لك؟ قال: لي قلب واحد. قال ابنه:
كيف تحبّ بقلب واحد شخصين- عرف أن هذا الكلام إنما كان من الحقّ، و لكن جرى على لسان الابن، و كان في الحقيقة غيرة من اللّه تعالى- فضرب بيده على رأسه، و تاب عن ذلك، و قطع قلبه عن محبّة الولد و غيره ممّا سوى اللّه تعالى، و سلّم قلبه للّه تعالى.
نقل أنه كان واقفا بعرفات، فنظر إلى ذلك الجمع الكثير- و هو في غاية التضرّع و الخضوع و البكاء- متوجّهون إلى اللّه تعالى، سائلون منه، واقفون بين يديه، فتعجّب و قال: سبحان اللّه، لو أنّ مثل هذه الجماعة وقفوا قدّام شخص، و سألوا منه مقدار درهم أو أقلّ، ماذا يقول ذلك الشخص، هل يخيّبهم و يمنعهم عن ذلك؟ قالوا: لا، بل يعطيهم و لا يمنعهم. قال: فلا شكّ في أنّ الرحمة على هؤلاء أسهل عند اللّه تعالى، و أيسر عند اللّه من إعطائهم درهما[١]
[١] -في( أ): و أيسر عليه من إعطاء درهم.