تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٦
و عند رأسك، و لا تتوقّع الحياة بعده، و لا تنظر إلى صغر الذنب؛ و لكن انظر إلى كبر عصيان اللّه تعالى، فإن صغّرت الذنب فقد صغّرت مخالفة اللّه تعالى.
قال هرم: فقلت: ماذا تأمرني؟ في أي موضع أقيم؟ قال: في الشام. قلت:
كيف يحصل لي وجه المعيشة في الشام؟ قال: أفّ لهذه القلوب، قد خالطها الشكّ، لا تنفعها الموعظة. قال هرم: فقلت: أوصني. قال: مات أبوك حيان، و مات آدم و حواء، و نوح و إبراهيم، و مات موسى بن عمران، و مات محمد المصطفى صلى اللّه عليه و سلم و على جميع الأنبياء أجمعين، و مات أبو بكر الصدّيق خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و مات صديقي و أخي عمر رضي اللّه عنه، وا عمراه وا عمراه.
قلت: رحمك اللّه، ما توفّي عمر. قال: بلى، قد ألهمني اللّه تعالى وفاته، ثم قال: يا هرم، أنا و أنت من جملة الأموات، ثم صلّى على النبيّ ٧، و دعا دعاء خفيفا، و قال: وصيّتي لك أن تسلك طريق الشرع و طريق أهل الصلاح، و لا تغفل عن ذكر اللّه ساعة، و إذا وصلت إلى قومك أن تنصحهم و تعظهم، و لا تقطع نصيحتك عن خلق اللّه، و لا تتأخّر عن موافقة الأئمة قدما[١] حتى لا يخرج عنك الإيمان، و أنت لا تدري و تقع في النار، ثم قال:
يا هرم بن حيان، لا تراني بعد هذا و لا أراك، و لا تنساني من الدعاء، ثم ودّعني، و قال: اذهب حتى أذهب، و ما تركني لحظة أخرى عنده، و بكى و بكيت، ثم ذهب، و أنا أنظر إليه حتى صعد الجبل، و بعد ذلك ما علمت حاله و لا رأيته. قال هرم: أكثر ما حدّثني كان من الفاروق و المرتضى رضي اللّه عنهما.
قال الربيع[٢]: طلبت أويسا، فوجدته في صلاة الصبح، فلمّا فرغ أردت أن أحدّثه، فاشتغل بالأوراد، ثم بصلاة الضّحى، و ما قام من موضعه إلى الظهر، ثم صلّى الظّهر، ثم اشتغل بالعبادة إلى العصر، ثم كذلك إلى المغرب، و هكذا
[١] -في( ب): و لا تتأخّر عن موافقة الأئمة الأمة قدما.
[٢] -هو الربيع بن خثيم: زاهد متعبّد تابعي، انتهى إليه الزهد. قال له عبد اللّه بن مسعود: لو رآك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لأحبّك. توفي قريبا من سنة ٧٠ للهجرة. طبقات الصوفية للمناوي ١/ ٢٨٠.