تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٣١
بالهبة فلا يبقى له قدر عندك و اعتبار، فاجعل قدمك من الرأس، و ارم نفسك في بحر المجاهدة و الصبر و الانتظار، لعلّك تصل إلى جوهر المعرفة.
قال الشبلي: فالآن، أيّ شيء أعمل؟ فأمره الجنيد ببيع الكبريت سنة، ففعل ذلك، و رجع إلى الجنيد، فقال: لعلّك يحصل لك في هذه التجارة شهرة[١]، فأشار عليه بأن يدور على الأبواب سنة، و يكدي و لا يعمل غيره، ففعل، و ما أعطاه أحد في جميع بغداد شيئا، فرجع إلى الجنيد، و عرّفه الحال، فقال الجنيد: عرفت الآن أنّ لا قيمة لك و لا مقدار عند الناس، فلا تعلّق بهم قلبك، و لا يكن لهم أيضا عندك قيمة و مقدار، و توكّل على الحيّ الذي لا يموت، و لكن كنت مدّة حاكما على طائفة، فارجع إليهم، و استحلّ منهم، عسى أنهم يبرئون ذمّتك، و يجعلونك في حلّ. فأتى إليهم، و قال: كنت واليا في بلدكم، و حكمت عليكم، فأرجو منكم أن تجعلوني لأجل اللّه تعالى في حلّ[٢]. و دار على الناس واحدا واحدا، و بيتا بيتا، قال: فبقي لشخص عليّ مظلمة، و ما وجدته، و بذلت لذلك مئة ألف درهم للفقراء و المساكين، و قلبي غير مطمئنّ بعد.
قال: مضى على هذا أربعون سنة[٣]، ثم رجع إلى الجنيد، فقال الجنيد:
فيك بعد من محبّة الجاه. فأمرني نوبة أخرى بالدّوران على الأبواب، و التكدّي، فكنت أدور أطلب و أجمع كسيرات الخبز، و أذهب بها إلى الشيخ، و هو يطعمها للفقراء، و يتركني جائعا، فمضى على ذلك سنة، ثم قال: ادخل بين الأصحاب، و لكن على أن تكون خادما لهم. فمضت سنة أخرى، و قال لي: يا شبل، كيف تجد حال نفسك؟ قلت: أراها أنّها أقلّ خلق اللّه. قال الجنيد رحمه اللّه: فالآن صحّ إيمانك.
[١] -في( ب): التجارة شهوة.
[٢] -في( أ): فأرجو منكم أن تجعلوني في حلّ خاصة للّه.
[٣] -كذا في الأصلين، و لعلّ الصواب: على هذا سنة.