تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٤١
نقل أن الشبليّ رحمه اللّه كان يمرّ بالسوق، فسمع فقاعيا[١] يصيح: ما بقي إلّا واحد- أي كوز واحد للفقاع- فشرع الشبليّ يصيح و يقول: هل بقي إلّا واحد.
نقل أنّ متكدّيا كان يقول: يكفيني رغيفان. و ينادي على ذلك، فقال الشبليّ: طوبى لك إذ يكفيك رغيفان؛ فإنّي يعرض عليّ كلّ مساء جميع الكونين- أي الدنيا و الآخرة- و لا أرضى به، و لا ألتفت إليه.
نقل أنّ الشبليّ رأى رجلا يبكي، فسأله عن سبب بكائه، فقال: كان لي حبيب فمات، فأبكي عليه. فقال: يا جاهل، هلّا اتّخذت حبيبا لا يموت و لا يغيب.
نقل أنّه صلّى نوبة على جنازة، فكبّر خمس تكبيرات، فقيل له في ذلك، قال: الأربع على الميت، و التكبيرة الخامسة على سائر الناس.
أقول: و اعترضوا عليه لأنّ التكبيرات المشروعة في صلاة الجنازة أربع، و كأنّه بالخامسة أشار إلى أن النّاس أموات؛ لاشتغالهم بما سوى الحقّ جل جلاله. و اللّه أعلم.
نقل أن الشبليّ رحمه اللّه غاب أياما، و ما كانوا يجدونه، ثم بالآخر وجدوه بعد طلب كثير في بيت مخنّث، قالوا: يا شيخ، لا نرى هذا البيت مكانا لك، فلم قمت فيه أياما؟ قال: دعوني، كما أنّه ليس برجل و لا امرأة في الدنيا، كذلك ما أنا برجل و لا امرأة في الدين و الجنس إلى الجنس- كما قيل- يميل.
أقول: و هذا يدلّ على كامل تواضعه و إنكاره في نفسه، و عدم التفاته إلى أعماله؛ بل إن أعماله و إن كثرت كان في نظره كلا عمل، و هذا طريقة المخلصين، و سبيل الخالصين، يؤيّده قوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم: ٣٢]. و اللّه أعلم.
[١] -الفقّاع: شراب يتخذ من الشعير، و الفقاعي بائعه. معجم متن اللغة.